وعن قتادة في الآية قال : هذا ميثاق أخذه اللّه على أهل العلم فمن علم علما فليعلمه الناس ، وإياكم وكتمان العلم ، فإن كتمان العلم هلكة ، وعن الحسن قال : لولا الميثاق الذي أخذه اللّه على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه .
وظاهر هذه الآية وإن كان مخصوصا بعلماء أهل الكتاب فلا يبعد أن يدخل فيه علماء هذه الأمة الإسلامية لأنهم أهل كتاب هو القرآن ، قال قتادة : طوبى لعالم ناطق ومستمع واع ، هذا علم علما فبذله ، وهذا سمع خيرا فقبله ووعاه .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سئل علما يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار » « 1 » ، أخرجه الترمذي ولأبي داود من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللّه بلجام من نار يوم القيامة « 2 » ، وفي الباب أخبار وآثار كثيرة .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 188 إلى 190 ]
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 188 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 189 ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 )
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل من يصلح له قرىء بالتاء والياء وهما سبعيتان
بِما أَتَوْا
أي بما فعلوا من إضلال الناس ، وقد اختلف في سبب نزولها كما سيأتي
وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا
من التمسك بالحق وهم على ضلال ، والظاهر شمولها لكل من حصل منه ما تضمنته هذه الآية عملا بعموم اللفظ وهو المعتبر لا بخصوص السبب ، فمن فرح بما فرح ، وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل .
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
وقرىء بالتحتية أي لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب ، والمفازة المنجاة مفعلة من فاز يفوز إذا نجا أي ليسوا بفائزين ، سمّي موضع الخوف مفازة على جهة التفاؤل ، قاله الأصمعي ، وقيل لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك ، تقول العرب فوز الرجل إذا هلك .
وقال ثعلب : حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ ، قال لي أبو المكارم : إنما سميت مفازة لأن من قطعها فاز وقال ابن الأعرابي : بل لأنه مستسلم لما أصابه ، وقيل المعنى لا تحسبنهم بمكان بعيد عن العذاب ، لأن الفوز التباعد عن المكروه بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في العلم باب 3 ، وابن ماجة في المقدمة باب 24 ، وأحمد في المسند 2 / 263 ، 305 ، 344 ، 353 ، 495 .
( 2 ) أخرجه أبو داود في العلم باب 9 .