تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
عن ذلك ، ونفي ظلّام المشعر بالكثرة يفيد ثبوت أصل الظلم ، وأجيب عن ذلك بأن الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا ، عن ابن عباس قال : ما أنا بمعذب من لم يجترم .
الَّذِينَ قالُوا
أي جماعة من اليهود
إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا
في التوراة
أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
وهذا منهم كذب على التوراة إذ الذي فيها مقيد بغير عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام . والقربان ما يتقرب به إلى اللّه من نسيكة وصدقة وعمل صالح ، وهو فعلان من القربة ، وقد كان دأب بني إسرائيل أنهم كانوا يقرّبون القربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار من السماء فتحرقه ، ولم يتعبّد اللّه بذلك كل أنبيائه ولا جعله دليلا على صدق دعوى النبوة . ولهذا رد اللّه عليهم فقال :
قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي
كيحيى بن زكريا وشعياء وسائر من قتلوا من الأنبياء
بِالْبَيِّناتِ
أي الدلالات الواضحات على صدقهم
وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
أي بالقربان
فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ
أراد بذلك فعل أسلافهم
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في دعواكم .
فَإِنْ كَذَّبُوكَ
يا محمد هؤلاء اليهود
فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم من الرسل
جاؤُ بِالْبَيِّناتِ
أي الحلال والحرام أو المعجزات الباهرات
وَالزُّبُرِ
جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته إذا حسنته ، وقيل الزبر المواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته
وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ
الواضح الجلي المضيء ، يقال نار الشيء واسنار وأناره ونوّره بمعنى . وقال قتادة : الزبر كتب الأنبياء والكتاب المنير هو القرآن الكريم ، وقيل الزبر المصحف ، والكتاب المنير التوراة والإنجيل ، وزاد أبو السعود والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ، ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة المواقع .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 185 ]

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 185 )
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
من الذوق وهذه الآية تتضمن الوعد والوعيد للمصدق والمكذب بعد إخباره عن الباخلين القائلين أن اللّه فقير ونحن أغنياء ، وقرىء ذائقة الموت بالتنوين ونصب الموت ، وقرأ الجمهور بالإضافة . والمعنى ذائقة موت أجسادها إذ النفس لا تموت ، ولو ماتت لما ذاقت الموت في حال موتها . لأن الحياة شرط في الذوق وسائر الإدراكات ، وقوله تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[ الزمر : 42 ] معناه حين موت أجسادها ، قاله الكرخي .