تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
أهل السعادة من أهل الشقاوة ، وقال قتادة يميز بينهم في الجهاد والهجرة ، وقرىء يميز بالتشديد بالمخفّف من ماز الشيء يميزه ميزا إذا فرق بين شيئين ، فإن كانت أشياء قيل ميزها تمييزا .
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
الخطاب لكفار قريش أي ما كان ليبيّن لكم المؤمن من الكافر فيقول فلان كافر ، وفلان مؤمن وفلان منافق لتعرفوا قبل التمييز لأن المستأثر بعلم الغيب لا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول فيميز بينكم ، كما وقع من نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من تعيين كثير من المنافقين ، فإن ذلك كان بتعليم اللّه له لا بكونه يعلم الغيب أو أن يشاهد أمرا يدل على أمر يكون من بعد كما نصب له علامات دالة على مصارع الكفار يوم بدر ، وقيل المعنى ما كان اللّه ليطلعكم على الغيب فيمن يستحق النبوة حتى يكون الوحي باختياركم .
وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي
أي يختار أو يختص ، قاله مجاهد وعن مالك يستخلص
مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
فيطلعه على ما يشاء من غيبه ، عن السدي قال : قالوا إن كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم صادقا فليخبرنا بمن يؤمن منا ومن يكفر ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وعن الحسن قال لا يطلع على الغيب إلا رسول
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
بصفة الإخلاص
وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا
النفاق
فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
في الآخرة .
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ
أي لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم ، قاله الخليل وسيبويه والفراء وقرىء بالتاء أي لا تحسبن يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بخل الذين يبخلون خيرا لهم ، قال الزجاج هو مثل
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] الآية دالة على ذم البخل ، وقد ورد فيه أحاديث . قال المبرد : والسين في قوله :
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ
سين الوعيد ، وهذه الجملة مبينة لمعنى ما قبلها قيل ومعنى التطويق هنا أنه يكون ما بخلوا به من المال طوقا من نار في أعناقهم ، وقيل معناه أنهم سيحملون عقاب ما بخلوا به ، فهو من الطاقة وليس من التطويق . وقيل المعنى أنهم يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق ، يقال طوّق فلان عمله طوق الحمامة أي ألزم جزاء عمله . قال القرطبي : البخل في أصل اللغة أن يمنع الإنسان الحق الواجب ، فأما من منع ما لا يجب عليه فليس ببخيل ، قال في القاموس البخل ضد الكرم . وقد ذكر الشوكاني في شرحه للمنتقى عند قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم إني أعوذ بك من البخل » « 1 » أنه قيده بعضهم بما يجب إخراجه ، ثم قال : ولا وجه له لأن البخل بما
هامش
( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الجهاد باب 74 ، والأطعمة باب 28 ،