تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
قال أبو السعود : لما تضمن الإملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها وذلك مما يقتضي التعزز والتكرم وصف عذابهم بالإهانة ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا انتهى . واحتج الجمهور بهذه الآية على بطلان ما يقوله المعتزلة لأنه سبحانه أخبر بأنه يطيل أعمار الكافرين ويجعل عيشهم رغدا ليزدادوا إثما ، قال أبو حاتم وسمعت الأخفش يذكر كسر
أَنَّما نُمْلِي
الأولى وفتح الثانية ويحتج بذلك لأهل القدر لأنه منهم ويجعله على هذا التقدير « ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما نملي لهم خير لأنفسهم . » وقال في الكشاف إن ازدياد الإثم علة ، وما كل علة بغرض ، ألا تراك تقول قعدت عن الغزو للعجز والفاقة وخرجت من البلد لمخافة الشر ، وليس شيء من ذلك بغرض لك ، وإنما هي أسباب وعلل . وعن ابن مسعود قال : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة إن كان برا فقد قال تعالى :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
[ آل عمران : 198 ] وإن كان فاجرا فقد قال تعالى :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ النور : 57 ] الآية ، وعن أبي الدرداء ومحمد بن كعب وأبي هريرة نحوه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 179 إلى 180 ]

ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 179 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 )
ما كانَ اللَّهُ
كلام مستأنف
لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
هذه اللام تسمى لام الجحود وينصب بعدها المضارع بإضمار إن ولا يجوز إظهارها ولهذا القول دلائل واعتراضات مذكورة في كتب النحو . والخطاب في قوله :
عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
عند جمهور المحدّثين للكفار والمنافقين ، وقيل الخطاب للمؤمنين والمنافقين أي ما كان اللّه ليترككم على الحال الذي عليه أنتم من الاختلاط ، وقيل الخطاب للمشركين ، والمراد بالمؤمنين من في الأصلاب والارحام أي ما كان اللّه ليذر أولادكم على ما أنتم عليه حتى يفرق بينكم وبينهم . وقيل الخطاب للمؤمنين أي ما كان اللّه ليذركم يا معشر المسلمين على ما أنتم عليه من الاختلاط بالمنافقين حتى يميز بينكم ، وعلى هذا الوجه والوجه الثاني يكون في الكلام التفات .
حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
أي بعضكم من بعض ، قال ابن عباس : يميز