تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
أي شيئا من الضرر ، والنكير لتأكيد ما فيه من القلة والحقارة ، وقيل على نزع الجار أي بشيء ما أصلا ، وقيل هم كفار قريش ، وقيل هم المنافقون ورؤساء اليهود ، وقيل هو عام في جميع الكفار . قال القشيري : والحزن على كفر الكافر طاعة ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يفرط في الحزن فنهى عن ذلك كما قال تعالى :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
[ فاطر : 8 ] وقال :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
[ الكهف : 6 ] والمعنى أن كفرهم لا ينقص من ملك اللّه سبحانه شيئا ، وقيل المراد لن يضروا أولياءه ، ويحتمل أن يراد لن يضروا دينه الذي شرعه لعباده ، وفيه مزيد مبالغة في التسلية .
يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا
نصيبا
فِي الْآخِرَةِ
أو نصيبا من الثواب ، وصيغة الاستقبال للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها ، وفي الآية دليل على أن الخير والشر بإرادة اللّه تعالى ، وفيه رد على القدرية والمعتزلة
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
في النار بسبب مسارعتهم في الكفر ، فكان ضرر كفرهم عائدا عليهم جالبا لهم عدم الحظ في الآخرة ومصيرهم إلى العذاب العظيم .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 177 إلى 178 ]

إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 177 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 )
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا
استبدلوا
الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ
وقد تقدم تحقيق هذه الاستعارة والمراد المنافقون آمنوا ثم كفروا
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
نفي الضرر معناه كالأول وهو للتأكيد لما تقدمه ، وقيل إن الأول خاص بالمنافقين والثاني يعم جميع الكفار ، والأول أولى
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
في الآخرة ، ولما جرت العادة بسرور المشتري بما اشتراه عند كون الصفقة رابحة ، وبتألمه عند كونها خاسرة ، ناسب وصف العذاب بالأليم .
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وقرىء بالتحتية فالمعنى لا يحسبن الكافرون
أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ
بتطويل الأعمال وتأخيرهم ورغد العيش ، أو بما أصابوا من الظفر يوم أحد
خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ
فليس الأمر كذلك بل هو شر واقع عليهم ونازل بهم ، وعلى الأولى لا تحسبن يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن الإملاء للذين كفروا بما ذكر خير لهم .
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
بكثرة المعاصي ، واللام لام الإرادة أي إرادة زيادة الإثم ، وهي جائزة عند الأشاعرة ولا تخلو من حكمة ، وعند المعتزلة القائلين بأنه تعالى لا يريد القبيح هي لام العافية وهي جملة مستأنفة مبينة لوجه الإملاء للكافرين . أو تكرير للأولى . والإملاء الإمهال والتأخير ، وأصله من الملوأة وهي المدة من الزمان يقال أمليت له في الأمر أخرت وأمليت للبعير في القيد أرخيت له ووسعت
وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
في الآخرة .