تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
فدرجات من اتبع رضوان اللّه ليست كدركات من باء بسخط من اللّه ، فإن الأولين في أرفع الدرجات ، والآخرين في أسفل الدركات
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
فيه تحريض على العمل بطاعته وتحذير عن العمل بمعاصيه .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أي أحسن إليهم وتفضل عليهم ، والمنة النعمة العظيمة ، وخص المؤمنين لكونهم المنتفعين ببعثة الرسول
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
يعني من جنسهم عربيا مثلهم ، ولد ببلدهم ، ونشأ بينهم يعرفون نسبه ، وقيل بشرا مثلهم ، ووجه المنة على الأول أنهم يفقهون عنه ويفهمون كلامه ، ولا يحتاجون إلى ترجمان ، ومعناها على التاني أنهم يأنسون به بجامع البشرية ، ولو كان ملكا لم يحصل كمال الأنس به لاختلاف الجنسية . وقرىء من أنفسهم بفتح الفاء أي أشرفهم ، لأنه من بني هاشم ، وبنو هاشم أفضل من قريش وقريش أفضل من العرب ، والعرب أفضل من غيرهم . ولعل وجه الامتنان على هذه القراءة أنه لما كان من أشرفهم كانوا أطوع له وأقرب إلى تصديقه ، ولا بد من تخصيص المؤمنين في هذه الآية بالعرب على الوجه الأول ، وأما على الوجه الثاني فلا حاجة إلى هذا التخصيص ، وكذا على قراءة من قرأ بفتح الفاء لا حاجة إلى التخصيص ، لأن بني هاشم هم أنفس العرب والعجم في شرف الأصل وكرم النجار ورفاعة المحتد . ويدل على الوجه الأول قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
[ الجمعة : 2 ] وقوله :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
[ الزخرف : 44 ] . وكان فيما خطب به أبو طالب حين زوّج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خديجة بنت خويلد وقد حضر ذلك بنو هاشم ورؤساء مضر : الحمد للّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معدّ ، وعنصر مضر ، وجعلنا سدنة بيته وسوّاس حرمه ، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا ، وجعلنا الحكام على الناس . وإن ابني هذا محمد بن عبد اللّه لا يوزن به فتى إلا رجح ، وهو واللّه بعد هذا له نبأ عظيم وخطب جليل .
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ
هذه منة ثانية أي يتلو عليهم القرآن بعد أن كانوا أهل جاهلية لا يعرفون شيئا من الشرائع ، ولم يطرق أسماعهم الوحي
وَيُزَكِّيهِمْ
أي يطهرهم من نجاسة الكفر والذنوب ، ودنس المحرمات والخبائت
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
أي القرآن
وَالْحِكْمَةَ
السنّة . وقد تقدم في البقرة تفسير ذلك وكل واحد من هذه الأمور نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ
أي قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أو من قبل بعثته
لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
واضح لا ريب فيه .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 555 | صديق الحسيني القنوجي البخاري