تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
قال السمين : جاء على أحسن النسق وذلك أنه أمر أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه ، فإذا انتهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين اللّه لتنزاح عنهم التبعات ، فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذ صاروا خالصين من التبعتين متصفّين منهما انتهى . والمراد هنا المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها ، قال أهل اللغة الاستشارة مأخوذة من قول العرب شرت الدابة وشورتها إذا علمت خيرها ، وقيل من قولهم شرت العسل إذا أخذته من موضعه . قال ابن خواز منداد : واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدنيا ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ووجوه الكتاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها . وحكى القرطبي عن ابن عطية أنه لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم والدين . وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب قال السيوطي بسند حسن عن ابن عباس قال لما نزلت :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما إن اللّه ورسوله لغنيّان عنها ولكن اللّه جعلها رحمة لأمتي ، فمن استشار من أمتي لم يعدم رشدا ، ومن تركا لم يعدم غيّا » . وعنه في الآية قال هم أبو بكر وعمر ، وقال الحسن قد علم اللّه أن ما به إلى مشاورتهم حاجة ، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده من أمته . وقيل أمره بها ليعلم مقادير عقولهم وأفهامهم لا ليستفيد منهم رأيا ، وروى البغوي بسنده عن عائشة أنها قالت ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وللاستشارة فوائد كثيرة ذكرها بعض المفسرين لا نطول بذكرها ، ويغني عنها أمر اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بها ، ولنعم ما قيل في ذلك .
وشاور إذا شاورت كل مهذب * لبيب أخي حزم لترشد في الأمر
ولا تك ممن يستبد برأيه * فتعجز أو لا تستريح من الفكر
ألم تر أن اللّه قال لعبده * وشاورهمو في الأمر حتما بلا نكر
فَإِذا عَزَمْتَ
على إمضاء ما تريد عقب المشاورة على شيء واطمأنت به نفسك
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
في فعل ذلك أي اعتمد عليه وفوض إليه ، وقيل إن المعنى فإذا عزمت على أمر أن تمضي فيه فتوكل على اللّه وثق به لا على المشاورة ، والعزم في الأصل قصد الإمضاء أي فإذا قصدت إمضاء أمر فتوكل على اللّه .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 552 | صديق الحسيني القنوجي البخاري