لمن أخذ الفداء بقوله :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
[ الأنفال : 67 ] وما روي من بكائه صلّى اللّه عليه وسلّم هو وأبو بكر ندما على أخذ الفداء ولو كان أخذ ذلك بعد التخيير لهم من اللّه سبحانه لم يعاتبهم عليه ، ولا حصل ما حصل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه من الندم والحزن ، ولا صوّب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى عمر حيث أشار بقتل الأسرى وقال ما معناه لو نزلت عقوبة لهم لم ينج منها إلا عمر ، والجميع في كتب الحديث والسير .
أقول ويمكن الجمع بأن يقال إن العتاب نزل أولا ثم نزل التخيير لأن العتاب على الشروع والعزم على الفداء ، والتخيير على تمامه ، ويؤيده قوله في الحديث : « إن اللّه قد كره ما صنع قومك »
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ومنه نصركم على الطاعة وترك نصركم مع المخالفة .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 166 إلى 167 ]
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( 166 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ( 167 )
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
أي ما أصابكم يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة
فَبِإِذْنِ اللَّهِ
أي فبعلم اللّه وقيل بقضائه قدره ، وقيل بتخليته بينكم وبينهم
وَلِيَعْلَمَ
اللّه
الْمُؤْمِنِينَ
حقا
وَلِيَعْلَمَ
اللّه
الَّذِينَ نافَقُوا
قيل أعاد الفعل لقصد تشريف المؤمنين عن أن يكون الفعل المسند إليهم وإلى المنافقين واحدا ، والمراد بالعلم هنا التمييز والإظهار ، لأن علمه تعالى ثابت قبل ذلك ، والمراد بالمنافقين هنا عبد اللّه بن أبي وأصحابه ، والنفاق اسم إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام .
وَقِيلَ لَهُمْ
معطوف على قوله :
نافَقُوا
وقيل هو كلام مبتدأ أي قيل لعبد اللّه المذكور وأصحابه
تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أعداءه إن كنتم ممن يؤمن باللّه واليوم الآخر
أَوِ ادْفَعُوا
عن أنفسكم إن كنتم لا تؤمنون باللّه واليوم الآخر فأبوا جميع ذلك .
وقيل معنى الدفع هنا تكثير سواد المسلمين وقيل معناه رابطوا والمرابطة الإقامة في الثغور ، والقائل للمنافقين هذه المقالة التي حكاها اللّه سبحانه هو عبد اللّه بن عمرو بن حرام الأنصاري والد جابر بن عبد اللّه .
و
قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا
أي أنه سيكون قتال
لَاتَّبَعْناكُمْ
وقاتلنا معكم ولكنه لا قتال هنالك ، وقيل المعنى لو كنا نقدر على القتال ونحسنه لاتبعناكم ولكنا لا نقدر على ذلك ولا نحسنه ، وعبّر عن نفي القدرة على القتال بنفي العلم به لكونها مستلزمة له ، وفيه بعد لا ملجأ إليه .