وقيل معناه لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتّبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال ، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة لعدم القدرة منا ومنكم على دفع ما ورد من الجيش بالبروز إليهم والخروج من المدينة ، وهذا أيضا فيه بعد دون بعد ما قبله .
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ
أي هم في هذا اليوم الذي انخذلوا فيه عن المؤمنين إلى الكفر
أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ
عند من كان يظن أنهم مسلمون لأنهم قد بيّنوا حالهم وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم إذ ذاك ، وقيل المعنى أنهم لأهل الكفر يومئذ أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان .
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما تقدمها أي أنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ، وذكر الأفواه للتأكيد مثل قوله :
يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] وقال الزمخشري : ذكر القلوب مع الأفواه تصوير لنفاقهم ، وإنما إيمانهم موجود في أفواههم فقط ، وهذا الذي قاله الزمخشري ينفي كونه للتأكيد لتحصيله هذه الفائدة
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ
من النفاق .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 168 إلى 169 ]
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 168 ) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 )
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا
أي قالوا لهم ذلك ، والحال أن هؤلاء القائلين قد قعدوا عن القتال
لَوْ أَطاعُونا
بترك الخروج من المدينة
ما قُتِلُوا
فرد اللّه ذلك عليهم بقوله :
قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ
الدرء الدفع أي لا ينفع الحذر عن القدر ، فإن المقتول يقتل بأجله
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلا وهو القعود عن القتال . فخذوا إلى دفع الموت طريقا ، قيل إنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا من غير قتال ومن غير خروج لإظهار كذبهم واللّه تعالى أعلم .
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
لما بين اللّه سبحانه أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحانا ليتميز المؤمن من المنافق والصادق من الكاذب ، بين ههنا أن من لم ينهزم وقتل فله هذه الكرامة والنعمة ، وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون ، لا مما يخاف ويحذر كما قال من حكى اللّه عنهم :
لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
[ آل عمران : 156 ] وقالوا : لو أطاعونا ما قتلوا .
فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى والخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد .
وقرىء بالياء التحتية أي لا يحسبن حاسب .
وقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية من هم فقيل شهداء أحد وقيل شهداء بدر ، وقيل شهداء بئر معونة ، وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .