وفيه إشارة إلى أن التوكل ليس هو إهمال التدبير بالكلية وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل بل هو مراعاة الأسباب الظاهرة ، مع تفويض الأمر إلى اللّه ، والاعتماد عليه بالقلب .
عن علي قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن العزم قال : « مشاورة أهل الرأي ثم اتّباعهم » ، أخرجه ابن مردويه
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
عليه في جميع أمورهم .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 160 إلى 161 ]
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 )
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ
كما فعل يوم بدر ، والنصر العون جملة مستأنفة لتأكيد التوكل والحث عليه
فَلا غالِبَ لَكُمْ
عمم الخطاب هنا تشريفا للمؤمنين لإيجاب توكلهم عليه
وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ
كما فعل يوم أحد ، والخذلان ترك العون أي وإن يترك اللّه عونكم
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ
استفهام إنكاري
مِنْ بَعْدِهِ
الضمير راجع إلى الخذلان المدلول عليه بقوله :
وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ
أو إلى اللّه ، وفيه لطف بالمؤمنين حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول ، ولم يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني ، بل أتى به في صورة الاستفهام وإن كان معناه نفيا ليكون أبلغ ، ومن علم أنه لا ناصر له إلا اللّه سبحانه وأن من نصره اللّه لا غالب له ، ومن خذله لا ناصر له فوض أموره إليه وتوكل عليه ، ولم يشتغل بغيره .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
لا على غيره ، وتقديم الجار والمجرور على الفعل لإفادة القصر عليه ، وقد وردت في صفة التوكل أحاديث كثيرة صحيحة ، وقد عد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المتوكل من سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب كما في مسلم .
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
ما صح له ذلك لتنافي الغلول والنبوة ، وقال ابن عباس : ما كان له أن يتهمه أصحابه ، قال أبو عبيد الغلول من المغنم خاصة ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد ، ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة أغل يغل ومن الحقد غل يغل بالكسر ، ومن الغلول غل يغل بالضم .
يقال غل في المغنم غلولا أي خان بأن يأخذ لنفسه شيئا يستره على أصحابه ، فمعنى القراءة بالبناء للفاعل . ما صح لنبي أن يخون شيئا من المغنم فيأخذه لنفسه من غير اطلاع أصحابه ، وفيه تنزيه الأنبياء عن الغلول .
ومعناه على القراءة بالبناء للمفعول ما صح لنبي أن يغله أحد من أصحابه أي يخونه في الغنيمة ، وهو على هذه القراءة الأخرى نهي للناس عن الغلول في المغانم ،