وإنما خص خيانة الأنبياء مع كون خيانة غيرهم من الأئمة والسلاطين والأمراء حراما لأن خيانة الأنبياء أشد ذنبا وأعظم وررا .
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ
أي يأت به حاملا له على ظهره
يَوْمَ الْقِيامَةِ
كما صح ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيفضحه بين الخلائق ، وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد يطلع عليها أهل المحشر ، وهي مجيئه يوم القيامة بما غل حاملا له قبل أن يحاسب عليه ويعاقب به .
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
جزاء
ما كَسَبَتْ
وافيا من خير أو شر ، وهذه الآية تعم كل من كسب خيرا أو شرا ، ويدخل تحتها الغالّ دخولا أوليا لكون السياق فيه ، فكأنه ذكر مرتين .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر ، فقال بعض الناس لعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذها فنزلت
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
بل يعدل بينهم في الجزاء فيجازى كل على عمله ، وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما في ذم الغلول ووعيد الغال .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 162 إلى 165 ]
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 ) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 165 )
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ
الاستفهام للإنكار أوليس من اتبع
رِضْوانَ اللَّهِ
في أوامره ونواهيه فعمل بأمره واجتنب نهيه
كَمَنْ باءَ
أو رجع
بِسَخَطٍ
عظيم كائن
مِنَ اللَّهِ
بسبب مخالفته لما أمر به ونهى عنه . ويدخل تحت ذلك من اتبع رضوان اللّه بترك الغلول واجتنابه ، ومن باء بسخط منه بسبب إقدامه على الغلول
وَمَأْواهُ
يعني الغال أو المتخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
أي المرجع هي ، ونزول الآية في واقعة معينة لا يخصص العموم .
ثم أوضح ما بين الطائفتين من التفاوت فقال :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ
أي متفاوتون في الدرجات والمعنى هم أولو درجات أو لهم درجات إطلاقا للملزوم على اللازم على سبيل الاستعارة أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت بينهم ، فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة ، وهذا ما رجحه القاضي كالكشاف .