سبحانه بالذكر من الدلالة على كمال اللطف والقهر
تُحْشَرُونَ
في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم . قيل من عبد اللّه خوفا من ناره آمنه اللّه مما يخاف ، وإليه الإشارة بقوله :
لمغفرة من اللّه ، ومن بعده شوقا إلى جنته أناله ما يرجو ، وإليه الإشارة بقوله :
وَرَحْمَةٌ
لأن الرحمة هي الجنة ، ومن عبده شوقا إلى وجهه الكريم لا يريد غيره فهذا هو العبد المخلص الذي يتجلى له الحق سبحانه في دار كرامته ، وإليه الإشارة بقوله :
لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ .
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
« ما » فاصلة غير كافية مزيدة للتأكيد قاله سيبويه وغيره ، وقال ابن كيسان والأخفش : إنها نكرة في موضع الجر بالباء ، ورحمة بدل منها ، والأول أولى بقواعد العربية ، ومثله قوله تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
[ النساء : 155 ] والجار والمجرور متعلق بقوله :
لِنْتَ
وقدم عليه لإفادة القصر ، وتنوين رحمة للتعظيم .
والمعنى أن لينه لهم ما كان إلا بسبب الرحمة العظيمة منه ، وقيل إن ما استفهامية والمعنى فبأي رحمة من اللّه لنت لهم ، وفيه معنى التعجب وهو بعيد ، ولو كان كذلك لقيل فيهم رحمة بحذف الألف ، والمعنى سهلت لهم أخلاقك وكثرت احتمالك ، ولم تسرع إليهم بتعنيف : على ما كان يوم أحد منهم .
وفيه تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبئ عنه السياق من استحقاقهم للملامة والتعنيف بموجب الجبلة البشرية أو من سعة ساحة مغفرته تعالى ورحمته .
وَلَوْ
لم تكن كذلك بل
كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
أي جافيا قاسي الفؤاد سيىء الخلق قليل الاحتمال ، والفظ الغليظ الجافي ، وقال الراغب : الفظ هو الكريه الخلق ، وذلك مستعار من الفظ وهو ماء الكرش وذلك مكروه شربه إلا في ضرورة ، وغلظ القلب قساوته ، وقلة إشفاقه وعدم انفعاله للخير ، وجمع بينهما تأكيدا .
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
أي لنفروا عنك وتفرقوا حتى لا يبقى منهم أحد عندك ، والانفضاض التفرق في الأجزاء وانتشارها ، ومنه فضّ ختم الكتاب ، ثم استعير هنا لانفضاض الناس وغيرهم أي لتفرقوا عن حولك هيبة لك واحتشاما منك بسبب ما كان من توليهم ، وإذا كان الأمر كما ذكر
فَاعْفُ عَنْهُمْ
فيما يتعلق بك من الحقوق
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
اللّه سبحانه فيما هو إلى اللّه سبحانه .
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
الذي يرد عليك أي أمر كان مما يشاور في مثله أو في أمر الحرب خاصة كما يفيده السياق لما في ذلك من تطييب خواطرهم ، واستجلاب مودتهم ، ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك حتى لا يأنف منهم أحد بعدك .