تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
الخلو في اللغة الانفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن فيه ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي ، لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه . وكذا الأمم الخالية . والمراد بالسنن ما سنّه اللّه في الأمم الماضية من وقائعه أي قد خلت من قبل في زمانكم وقائع سنها اللّه في الأمم المكذبة بالهلاك والاستئصال لأجل مخالفتهم الأنبياء . وأصل السنن جمع السنة وهي الطريقة المستقيمة والعادة ، والسنة الإمام المتبع المؤتم به ، والسنة الأمة والسنن الأمم قاله المفضل الضبي ، وقال الزجاج : أهل سنن فحذف المضاف ، قال مجاهد : قد خلت سنن تداول من الكفار والمؤمنين في الخير والشر .
فَسِيرُوا
أيها المؤمنون
فِي الْأَرْضِ
والمطلوب من هذا السير المأمور به هو حصول المعرفة بذلك فإن حصلت بدونه فقد حصل المقصود ، وإن كان لمشاهدة الآثار زيادة غير حاصلة لمن لم يشاهدها ، والأمر للندب لا على سبيل الوجوب
فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
فإنهم خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا ثم انقرضوا فلم يبق من دنياهم التي آثروها أثر . هذا قول أكثر المفسرين ، والعاقبة آخر الأمور ، رغبهم في تأمل أحوال الأمم الماضية ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإيمان باللّه ورسوله والإعراض عن الدنيا ولذاتها لأن النظر إلى آثار المتقدمين له أثر في النفس ، وفي هذه الآية تسلية لأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وما جرى لهم في غزوة أحد .
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
الإشارة إلى قوله :
قَدْ خَلَتْ
الخ وقال الحسن إلى القرآن ولا يخفى بعده . والبيان التبيين ، وقيل هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة . وتعريف الناس للعهد ، وهم المكذبون أو للجنس أي للمكذبين وغيرهم وفيه حث على النظر في سوء عاقبة المكذبين وما انتهى إليه أمرهم .
وَ
هذا النظر مع كونه بيانا فيه
هُدىً وَمَوْعِظَةٌ
فعطف الهدى والموعظة على البيان يدل على التغاير ولو باعتبار المتعلق وبيانه أن اللام في الناس إن كانت للعهد فالبيان للمكذبين والهدى والموعظة للمؤمنين ، وإن كانت للجنس فالبيان لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم ، والهدى والوعظ
لِلْمُتَّقِينَ
من المؤمنين وحدهم ، والهدى بيان طريق الرشد المأمور بسلوكه دون طريق الغي ، والموعظة هي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين . فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان : أحدهما : الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى . والثاني : الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة وإنما خص المتقين