المسلمين ليميز المؤمن المخلص ممن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبة وشدة ، وهو من باب التمثيل أي فعلنا فعل من يريد أن يعلم لأنه سبحانه لم يزل عالما ، أو ليعلم اللّه الذين آمنوا بصبرهم علما يقع عليه الجزاء كما علمه علما أزليا ، وقيل ليعرفهم بأعيانهم ، وقيل ليعلم أولياء اللّه فأضاف علمهم إلى نفسه تفخيما وقيل غير ذلك .
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
يعني ويكرمكم بالشهادة ، والشهداء جمع شهيد وهو من قتل من المسلمين بسيف الكفار في المعركة سمي بذلك لكونه مشهودا له بالجنة أو جمع شاهد لكونه كالمشاهد للجنة ، ومن للتبعيض وهم شهداء أحد .
وقال ابن عباس إن المسلمين كانوا يسألون ربهم : اللهم ربّنا أرنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبليك فيه خيرا ونلتمس فيه الشهادة فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ منهم شهداء .
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
يعني المشركين ، جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير مضمون ما قبله ، وقيل هم الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي ، قيل هم المنافقون ، والأول أولى ، ونفي المحبة كناية عن البغض ، وفي إيقاعه على الظالمين تعريض بمحبته تعالى لمقابليهم .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 141 إلى 143 ]
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 )
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
التمحيص الابتلاء والاختبار ، وقيل التطهير والتنقية على حذف مضاف أي ليمحص ذنوب الذين آمنوا ، قاله الفراء ، وقيل يمحّص يخلّص ، قاله الخليل والزجاج أي ليخلّص المؤمنين من ذنوبهم ويزيلها عنهم .
وفي القاموس ومحصّ الذهب بالنار من باب منع أخلصه مما يشوبه والتمحيص التصفية
وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ
أي يستأصلهم بالهلاك ويفنيهم ، وأصل التمحيق محو الآثار والمحق نقصها قليلا قليلا ، وقال ابن عباس : يمحّص يبتليهم ، ويمحق ينقصهم .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
كلام مستأنف لبيان ما ذكر من التمييز ، وأم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة للإنكار ، والمعنى لا تحسبوا أيها المؤمنون أن تنالوا كرامتي وثوابي
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ
قال الرازي : أي ولما يصدر الجهاد عنكم ، وهذا ظاهر الآية والمراد أن العلم متعلق بالمعلوم .
وقال الواحدي : المعنى على الجهاد دون العلم أي لما يكن المعلوم من الجهاد