بالهدى والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم قال سعيد بن جبير : أول ما نزل من آل عمران هذا بيان للناس ثم أنزل بقيتها من يوم أحد .
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا
عزاهم وسلاهم لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح ، وحثهم على قتال عدوهم . ونهاهم عن العجز والفشل ، والمعنى لا تضعفوا عن الجهاد ولا تحزنوا على من قتل منكم لأنهم في الجنة .
ثم بين لهم أنهم الأعلون على عدوهم بالنصر والظفر فقال :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
جمع أعلى والأصل أعليون هي جملة حالية أي والحال أنكم الأعلون عليهم وعلى غيرهم بعد هذه الوقعة ، وقد صدق اللّه وعده فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد وقعة أحد ظفر بعدوه في جميع وقعاته ، وقيل المعنى وأنتم الأعلون عليهم بما أصبتم منهم في يوم بدر فإنه أكثر مما أصابوا منكم اليوم .
أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج قال انهزم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الشعب يوم أحد فسألوا ما فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما فعل فلان فنعى بعضهم لبعض وتحدثوا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل ، فكانوا في همّ وحزن ، فبينما هم كذلك علا خالد بن الوليد بخيل المشركين فوقهم على الجبل وكانوا على إحدى جنبتي المشركين وهم أسفل من الشعب ، فلما رأوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فرحوا فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اللهم لا قوة لنا إلا بك وليس أحد يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء فلا تهلكهم ، وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم اللّه . وعلا المسلمون الجبل فذلك قوله :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
وقال الضحاك أنتم الغالبون
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أي مصدقين بأن ناصركم هو اللّه تعالى فصدقوا بذلك فإنه حق وصدق .
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ
القرح بالضم والفتح الجرح وهما لغتان فيه قاله الكسائي والأخفش ومعناهما واحد ، وقال الفراء : هو بالفتح الجرح وبالضم ألمه ، وقرىء قرح على المصدر . والآية خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أحد مع الحزن والكآبة إن يمسسكم أيها المسلمون قرح ونالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم يوم بدر ، فلا تهنوا لما أصابكم في هذا اليوم فإنهم لم يهنوا لما أصابهم في ذلك اليوم ، وأنتم أولى بالصبر منهم .
وقيل المراد ما أصاب المسلمين والكافرين في هذا اليوم ، فإن المسلمين انتصروا عليهم في الابتداء فأصابوا منهم جماعة ثم انتصر اللّه عليهم فأصابوا منهم والأول أولى لأن ما أصابه المسلمون من الكفار في هذا اليوم لم يكن مثل ما أصابوه منهم فيه ، وكذا ما أصابه المشركون في يوم أحد لم يكن مثل ما أصابه المسلمون منهم يوم بدر بل ضعفه كما قال تعالى :
قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها
[ آل عمران : 165 ]