تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي السماء أم في الأرض فقال وأي أرض وسماء تسع الجنة ، قيل فأين هي قال فوق السماوات السبع تحت العرش . وقال قتادة : كانوا يرون الجنة فوق السماوات السبع ، وجهنم تحت الأرضين السبع .
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
أي هيئت لهم ، وفيه دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وهو الحق خلافا للمعتزلة . أخرج عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبي رباح قال : قال المسلمون يا رسول اللّه أبنو إسرائيل كانوا أكرم على اللّه منا ؟ كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبح كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه ، اجدع أنفك ، اجدع أذنك افعل كذا وكذا فسكت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فنزلت
وَسارِعُوا
الآية .
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
السراء اليسر والضراء العسر ، وقد تقدم تفسيرهما ، وقيل السراء الرخاء والضراء الشدة وهو مثل الأول ، وقيل السراء في الحياة والضراء بعد الموت ، والمعنى لا يتركون الإنفاق في كلتي الحالتين في الغنى والفقر والرخاء والشدة ولا في حال فرح وسرور ، ولا في حال محنة وبلاء ، سواء كان الواحد منهم في عرس أو حبس ، فأول ما ذكر اللّه من أخلاقهم الموجبة للجنة السخاء لأنه أشق على النفوس ، وقد وردت أحاديث كثيرة في مدح المنفق وذم البخيل والممسك في الصحيحين وغيرهما .
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
أي الجارعين إياه عند امتلاء نفوسهم عنه والكافّين عن إمضائه مع القدرة ، والكظم حبس الشيء عند امتلائه يقال كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره ومنه كظمت السّقاء أي ملأته والكظامة ما يسد به مجرى الماء وكظم البعير جرّته إذا ردها في جوفه . وقد وردت أحاديث كثيرة في ثواب كظم الغيظ منها عن أنس الجهني عن أبيه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه اللّه يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء » « 1 » أخرجه الترمذي وأبو داود . وعن أبي هريرة قال : قال رسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » « 2 » رواه الشيخان ، وعن عائشة أن خادما لها غاظها فقالت للّه درّ التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 3 ، والترمذي في البر باب 74 ، والقيامة باب 48 ، وابن ماجة في الزهد باب 18 ، وأحمد في المسند 3 / 438 ، 440 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 102 ، ومسلم في البر حديث 16 - 108 ، ومالك في حسن الخلق حديث 12 ، وأحمد في المسند 1 / 382 ، 2 / 236 ، 268 ، 517 .