تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
على أثره ، وبين لهم من هذه النعمة ما يناسب المقام وهو أنهم كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا ، فأصبحوا بسبب هذه النعمة إخوانا في الدين ، والولاية ، ومعنى أصبحتم صرتم وليس المراد به معناه الأصلي وهو الدخول في وقت الصباح . وعن ابن جريج في الآية قال : ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة ، قال ابن عباس : كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة حتى قام الإسلام وأطفأ اللّه ذلك وألف بينهم .
وَكُنْتُمْ
يا معشر الأوس والخزرج
عَلى شَفا
طرف
حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
يعني ليس بينكم وبين الوقوع في النار إلا أن تموتوا على كفركم ، ففي الكلام تشبيه ، وشفا كل شيء حرفه وهو مقصور من ذوات الواو وجمعه أشفاء ويثنى بالواو نحو شفوان ، ويستعمل مضافا إلى أعلا الشيء وأسفله ، فمن الأول شفا جرف ، ومن الثاني هذه الآية ، وأشفى على كذا أي قاربه ، ومنه أشفى المريض على الموت . قال يعقوب : يقال للرجل عند موته ، وللقمر عند انمحاقه ، وللشمس عند غروبها ما بقي منه أو منها إلا شفا أي إلا قليل .
فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
أي من هذه الحفرة بالإسلام ، وهو تمثيل للحالة التي كانوا عليها في الجاهلية ، قال السدي : يقول كنتم على طرف الناس من مات منكم وقع في النار ، فبعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم واستنقذكم به من تلك الحفرة ، وقيل منها أي من الشفا لأنه المحدث عنه ، وتأنيث الضمير لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه .
كَذلِكَ
إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده أي مثل ذلك البيان البليغ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
إرشاد لهم إلى الثبات على الهدى والازدياد منه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 105 ]

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 )
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
كلمة « من » للتبعيض وقيل لبيان الجنس ، وقيل للتبيين ، وقيل زائدة ورجح القرطبي الأول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات يختص بأهل العلم الذين يعرفون كون ما يأمرون به معروفا ، وما ينهون عنه منكرا ، وقد عينهم اللّه سبحانه بقوله :
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ
[ الحج : 41 ] الآية . وروى ابن مردويه عن أبي جعفر الباقر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم الخير اتباع القرآن وسنتي .