الناس بأنها كذلك تنفيقا لتحريفكم ، وتقويما لدعاويكم الباطلة ، والهاء في تبغونها عائدة على السبيل ، والسبيل يذكر ويؤنث ، ومن التأنيث هذه الآية وقوله تعالى :
هذِهِ سَبِيلِي
[ يوسف : 108 ] .
وَأَنْتُمْ شُهَداءُ
جملة حالية أي والحال أنكم عالمون بأن الدين المرضي القيم هو دين الإسلام كما في كتابكم ، يعني كيف تطلبون ذلك بملة الإسلام والحال أنكم تشهدون أنها دين اللّه الذي لا يقبل غيره ، وأن فيها نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل المراد وأنتم العقلاء ، وقيل المعنى وأنتم شهداء بين أهل دينكم مقبولون عندهم ، فكيف تأتون بالباطل الذي يخالف ما أنتم عليه بين أهل دينكم ، وقيل وأنتم تشهدون المعجزات التي تظهر على يد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الدالة على نبوته .
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
فيه وعيد شديد وتهديد لهم ، وذلك أنهم لما كانوا يجتهدون ويحتالون بإلقاء الشبهة في قلوب الناس ليصدوهم عن سبيل اللّه والتصديق بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بطريق الخفية ، ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة حيلتهم من إحاطة علمه تعالى بأعمالهم ، كما أن كفرهم بآيات اللّه لما كان بطريق العلانية ختمت الآية السابقة بشهادته تعالى على ما يعملون .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 100 إلى 102 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ( 100 ) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 101 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 102 )
ثم توعدهم سبحانه بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ
خاطب سبحانه المؤمنين محذرا لهم عن طاعة اليهود والنصارى مبينا لهم أن تلك الطاعة تفضي إلى أن يردوهم ويصيروهم بعد إيمانهم كافرين ، والكفر يوجب الهلاك في الدنيا بوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة والحرب وسفك الدماء ، وفي الآخرة النار .
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
الاستفهام للإنكار والاستبعاد أي من أين يأتيكم ذلك ولديكم ما يمنع منه ، ويقطع أثره ، وهو تلاوة آيات اللّه عليكم أي القرآن الذي فيه بيان الحق والباطل ، وكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي يبين الحق ويدفع الشبهة بين أظهركم .
وقيل
كَيْفَ
كلمة تعجب وتوبيخ والمراد منه المنع والتغليظ ، قال قتادة في هذه الآية علمان بينان كتاب اللّه تعالى ونبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقد مضى ، وأما كتاب اللّه فقد أبقاه اللّه بين أظهركم رحمة منه ونعمة .