وقال الزجاج يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان فيهم وهم يشاهدونه ، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع الأمة لأن آثاره وعلامته والقرآن الذي أوتيه فينا فكأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فينا وإن لم نشاهده اه .
ثم أرشدهم إلى الاعتصام باللّه ليحصل لهم بذلك الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو الإسلام فقال .
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ
أي ممتنع باللّه ويستمسك بدينه وطاعته ، وقيل بالقرآن ، وأصل العصمة الامتناع من الوقوع في آفة يقال اعتصم به واستعصم وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره ، وعصمه الطعام منع الجوع منه ، وفيه حث لهم في الالتجاء إلى اللّه في دفع شر الكفار عنهم
فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي طريق واضح وهو طريق الحق المؤدي إلى الجنة ، وفي وصف الصراط بالاستقامة رد على ما ادعوه من العوج .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
أي التقوى التي تحق له وهي أن لا يترك العبد شيئا مما يلزمه فعله ، ولا يفعل شيئا مما يلزمه تركه ، ويبذل في ذلك جهده ومستطاعه .
قال القرطبي ذكر المفسرون أنها لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من يقوى على هذا ، وشق عليهم ذلك فأنزل اللّه تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن : 16 ] فنسخت هذه الآية روي ذلك عن قتادة والربيع وابن زيد ، قال مقاتل وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذا .
وقيل إن قوله اتقوا اللّه مبين لقوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن : 16 ] والمعنى اتقوا اللّه حق تقاته ما استطعتم ، قال وهذا أصوب لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع ، والجمع ممكن فهو أولى .
قال ابن عباس في الآية هو أن يطاع فلا يعصى ؛ ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى ؟ وقال مجاهد هو أن تجاهدوا في اللّه حق جهاده ولا تأخذكم في اللّه لومة لائم .
وتقوموا للّه بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم .
قال أنس : لا يتقي اللّه عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه ؛ وقيل :
حَقَّ تُقاتِهِ
واجب تقواه وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم ؛ وقيل غير ذلك ؛ وتقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل اتقوا اللّه التقاة الحق أي الثابتة .
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تكونوا على حال سوى حال الإسلام ؛ وجاءت الحال جملة اسمية لأنها أبلغ وآكد ؛ ولو قيل :
إلا مسلمين لم يفد هذا التأكيد .