تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
رأى سيئاته فحزن واسود وجهه ، والتنكير في وجوه للتكثير أي وجوه كثيرة . عن ابن عباس قال : تبيض وجوه أهل السنة والجماعة . وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة ، وروي نحوه عن ابن عمر وأبي سعيد ، قيل إن البياض كناية عن الفرح والسرور ، والسواد كناية عن الغم والحزن ، وقيل هما حقيقة تحصلان في الوجه .
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالا وتقديم بيان حال الكفار لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل ، والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدأ بذلك عند الإجمال ، ففي الآية حسن ابتداء وحسن اختتام ، قيل هم أهل الكتاب ، وقيل المرتدون ، وقيل المبتدعون ، وقيل الكافرون فيلقون في النار ويقال لهم :
أَ كَفَرْتُمْ
الهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم
بَعْدَ إِيمانِكُمْ
قال أبو السعود والظاهر أن المخاطبين بهذا القول أهل الكتابين ، وكفرهم بعد إيمانهم كفرهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد إيمان أسلافهم ، أو إيمان أنفسهم به قبل مبعثه ، أو جميع الكفرة حيث كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يوم أخذ الميثاق في عالم الذر ، أو بعد ما تمكنوا من الإيمان بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة انتهى . وقال الحسن هم المنافقون ، وقال عكرمة هم أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مبعثه ثم كفروا به . وقيل الذين ارتدوا زمن أبي بكر
فَذُوقُوا الْعَذابَ
أمر إهانة وهو من باب الاستعارة ففي
فَذُوقُوا
استعارة تبعية تخييلية وفي العذاب استعارة مكنية حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصورا بصورة ما يذاق ، وأثبت له الذوق تخييلا ، قاله الكرخي .
بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
صريح في أن نفس الذوق معلل بذلك ، فهو مسبب عنه ، بخلاف دخول الجنة الآتي فلم يذكر له سبب إشارة أنه بمحض فضل اللّه .
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ
يعني المؤمنين المطيعين للّه عز وجل
فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ
أي فهم مستقرون في جنته ودار كرامته ، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة ، بل لا بد من الرحمة ، ومنه حديث لن يدخل أحد الجنة بعمله وهو في الصحيح
هُمْ فِيها خالِدُونَ
جملة استئنافية بيانية كأنه قيل فما حالهم فيها . عن أبي بن كعب قال صاروا فرقتين يوم القيامة يقال لمن اسود وجهه أكفرتم بعد إيمانكم فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة واحدة . وأما الذين ابيضت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم وأخلصوا له الدين فبيض اللّه وجوههم وأدخلهم في رضوانه وجنته . قد روي غير ذلك .