تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
استطاعة لأن اللّه سبحانه يقول :
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
وهذا الخائف على نفسه وماله لم يستطع إليه سبيلا بلا شك وشبهة . وقد اختلف أهل العلم إذا كان في الطريق من الظلمة من يأخذ بعض الأموال على وجه لا يجحف بزاد الحاج فقال الشافعي لا يعطي حبة ويسقط عنه فرض الحج ، ووافقه جماعة ، وخالفه آخرون ، والظاهر أن من تمكن من الزاد والراحلة وكانت الطريق آمنة بحيث يتمكن من مرورها ولو بمصانعة بعض الظلمة بدفع شيء من المال يتمكن منه الحاج ولا ينقص من زاده ولا يجحف به فالحج غير ساقط عنه بل واجب عليه ، لأنه قد استطاع السبيل بدفع شيء من المال . ولكن يكون هذا المال المدفوع في الطريق من جملة ما يتوقف عليه الاستطاعة ، فلو وجد الرجل زادا وراحلة ، ولم يجد ما يدفعه لمن يأخذ المكس في الطريق ، لم يجب عليه الحج لأنه لم يستطع إليه سبيلا ، وهذا لا بد منه ، ولا ينافي تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فإنه قد تعذر المرور في طريق الحج لمن وجد الزاد والراحلة إلا بذلك القدر الذي يأخذه المكاسون . ولعل وجه قول الشافعي أنه يسقط الحج أن أخذ هذا المكس منكر فلا يجب على الحاج أن يدخل في منكر ، وأنه بذلك غير مستطيع . ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة أن يكون الحاج صحيح البدن على وجه يمكنه الركوب ، فلو كان زمنا بحيث لا يقدر على المشي ولا على الركوب فهذا وإن وجد الزاد والراحلة فهو لم يستطع السبيل . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تفسير الاستطاعة أنها الزاد والراحلة « 1 » بطرق كثيرة عن جماعة من الصحابة عند أهل السنن وغيرهم . وأقل أحوال هذا الحديث أن يكون حسنا لغيره فلا يضره ما وقع الكلام على بعض طرقه كما هو معروف . وقد ثبت عنه صلّى اللّه عليه وسلّم النهي للمرأة أن تسافر بغير ذي رحم محرم « 2 » ، واختلفت الأحاديث في قدر المدة ، ففي لفظ ثلاثة أيام وفي لفظ يوم وليلة وفي لفظ بريد ، وقد ذكر بعض المفسرين ههنا أحكاما تتعلق بالحج وأطال في ذكرها ، ومحلها كتب الفروع فلا نذكرها .
وَمَنْ كَفَرَ
« من » شرطية وهو الظاهر أو موصولة قيل إنه عبر بلفظ الكفر عن
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الحج باب 4 ، وتفسير سورة 3 ، باب 6 ، وسورة 63 ، باب 5 ، وابن ماجة في المناسك باب 6 . ( 2 ) لفظ الحديث : « لا تسافر امرأة ثلاثا إلا مع ذي رحم محرم » ، أخرجه الدارمي في الاستئذان باب 46 ، وأحمد في المسند 2 / 236 ، 251 ، 347 ، 3 / 62 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 505 | صديق الحسيني القنوجي البخاري