وقد قال جماعة إن الآية خبر في معنى الأمر أي ومن دخله فأمنوه كقوله :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ
[ البقرة : 197 ] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا .
أخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال كان هذا في الجاهلية كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يطلب ، فأما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود اللّه ، من سرق فيه قطع ، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد ، ومن قتل فيه قتل .
وعن عمر بن الخطاب قال : لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه ، وعن ابن عباس من عاذ بالبيت أعاذه البيت ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ، فإذا خرج أخذ بذنبه ، وروي عنه هذا المعنى من طرق ، أخرجه ابن جرير وغيره .
وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي شريح العدوي قال قام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الغد من يوم الفتح فقال : إن مكة حرمها اللّه ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرىء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقولوا إن اللّه قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي في ساعة من نهار ، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس « 1 » .
وقيل المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان آمنا . وقيل من دخله معظما له متقربا بذلك إلى اللّه كان آمنا من العذاب يوم القيامة .
وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا . وعنه : الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة ذكرهما أبو السعود ولم يخرجهما ، وقيل آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك ، والأول أولى .
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
اللام في قوله :
لِلَّهِ
هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام ، ثم زاد هذا المعنى تأكيدا حرف « على » فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب ، كما إذا قال القائل لفلان علي كذا ، فذكره اللّه سبحانه بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته .
وهذا الخطاب شامل لجميع الناس لا يخرج عنه إلا من خصصه الدليل كالصبي والعبد ، والمعنى وللّه على الناس فرض حج البيت ، والناس عام مخصوص بالمستطيع قد خصص ببدل البعض وهو قوله :
مَنِ اسْتَطاعَ
لأنه من المخصصات عند الأصوليين .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 37 ، والصيد باب 8 ، 9 ، والمغازي باب 51 ، ومسلم في الحج حديث 446 ، والترمذي في الحج باب 1 ، والديات باب 13 ، والنسائي في المناسك باب 111 ، وأحمد في المسند 4 / 31 ، 32 ، 6 / 385 .