فَمَنِ افْتَرى
الافتراء اختلاق الكذب والقذف والإفساد أصله من فرى الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود ، وقال البيضاوي : افترى أي ابتدع ، والجملة استئنافية أو منصوبة المحل ، ومن شرطية أو موصولة
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي إحضار التوراة وتلاوتها متعلق بافترى ، وهذا هو الظاهر أو بالكذب وجوزه أبو البقاء
فَأُولئِكَ
فيه مراعاة معنى « من » كما في افترى مراعاة لفظها
هُمُ الظَّالِمُونَ
أي المفرطون في الظلم المتبالغون فيه ، فإنه لا أظلم ممن حوكم إلى كتابه وما يعتقده شرعا صحيحا ثم جادل من بعد ذلك مفتريا على اللّه الكذب .
ثم لما كان ما يفترونه من الكذب بعد قيام الحجة عليهم بكتابهم باطلا مدفوعا ، وكان ما قصه اللّه سبحانه في القرآن وصدّقته التوراة صحيحا صادقا ، وكان ثبوت هذا الصدق بالبرهان الذي لا يستطيع الخصم دفعه ، أمر اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن ينادي لصدق اللّه بعد أن سجّل عليهم بالكذب فقال :
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
أي ملة الإسلام التي أنا عليها
حَنِيفاً
قد تقدم معنى الحنيف كأنه قال لهم إذا تبين لكم صدقي وصدق ما جئت به فأدخلوا في ديني فإن من جملة ما أنزله اللّه علي
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
[ آل عمران : 85 ] .
وَما كانَ
في أمر من أمور دينه أصلا وفرعا
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الذين يدعون من اللّه إله آخر ، ويعبدون سواه .
وفيه تعريض بإشراك اليهود ، تصريح بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بينه وبينهم علاقة دينية قطعا ، والغرض بيان أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على دين إبراهيم في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد ، والبراءة عن كل معبود سبحانه وتعالى قاله الكرخي .
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
هذا شروع في بيان شيء آخر مما جادلت فيه اليهود بالباطل ، وذلك أنهم قالوا إن بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لكونه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر ، وفي الأرض المقدسة وقبلتهم فرد اللّه ذلك عليهم ، ونبّه تعالى بكونه أول متعبّد على أنه أفضل من غيره - والأول هو الفرد السابق المتقدم على ما سواه ، وقيل هو اسم للشيء الذي يوجد ابتداء سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل .
قال علي : كانت البيوت قبله ، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة اللّه قبل خلق آدم بألفي عام ، ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين ، وهذا يقتضي أن الأقصى ، بنته الملائكة أيضا . . . وقد اختلف في الباني له في الابتداء