تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
وَأُخْرى كافِرَةٌ
وهم مشركو مكة وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة ، وكان رأسهم عتبة بن ربيعة ، وكان فيهم مائة فرس ، وكانت وقعة بدر أول مشهد شهده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الهجرة . وفي الكلام شبه احتباك تقديره فئة مؤمنة تقاتل في سبيل اللّه ، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان ، فحذف من الأول ما يفهم من الثاني ، ومن الثاني ما يفهم من الأول .
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
قال أبو علي الفارسي : الرؤية في هذه الآية رؤية العين ، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد ، ويدل عليه قوله :
رَأْيَ الْعَيْنِ
والمراد أنه يرى المشركون المؤمنون مثلي عدد المشركين أو مثلي عدد المسلمين . وقد ذهب الجمهور إلى أن فاعل يرون هم المؤمنون ، والمفعول هم الكفار ، والضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمشركين أي يرى المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد ، وفيه بعد ، إذ يلزم أن يكثر اللّه المشركين في أعين المسلمين ، وقد أخبرنا أنه قللهم في أعين المؤمنين ، وأن يكون للمسلمين فيكون المعنى يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين ليطمعوا فيهم ، وقد كانوا علموا من قوله تعالى :
فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
[ الأنفال : 66 ] أن الواحد يغلب الاثنين ، وهذا على قراءة الجمهور بالياء التحتية . وأما على قراءة نافع بالفوقية ففيها وجهان الأول : أن يكون الخطاب في ترونهم للمسلمين والضمير المنصوب فيه للكافرين ، والضمير المجرور في مثليهم أيضا للمسلمين بطريق الالتفات فيكون المعنى ترون أيها المسلمون المشركين مثليكم في العدد ، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ، فقلل اللّه المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم . والثاني : أن يكون الضمير المنصوب أيضا للمسلمين أي ترون أيها المسلمون أنفسكم مثلي ما أنتم عليه من العدد لتقوى بذلك أنفسكم . وقد قال من ذهب إلى التفسير الأول أعني أن فاعل الرؤية المشركون ، وأنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم ، أنه لا يناقض هذا ما في سورة الأنفال من قوله تعالى :
وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ
[ الأنفال : 44 ] بل قللوا أولا في أعينهم ليلاقوهم ويجترؤوا عليهم ، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا ورأي العين مصدر مؤكد لقوله
يَرَوْنَهُمْ
أي رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها .
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ
أي يقوي من يشاء أن يقويه ولو بدون الأسباب العادية ، ومن جملة ذلك تأييد أهل بدر بتلك الرؤية .
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي في رؤية
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 439 | صديق الحسيني القنوجي البخاري