تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
كلام مقطوع عما قبله أو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع ، فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع عما قبله وأن الكلام تم عند قوله :
إِلَّا اللَّهُ
وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم ، وهو مذهب الكسائي والفراء والأخفش وأبي عبيد وحكاه ابن جرير الطبري عن مالك ، واختاره ، وحكاه الخطابي عن ابن مسعود وأبي بن كعب . قال : وإنما روي عن مجاهد أنه نسق الراسخين على ما قبله وزعم أنهم يعملونه ، قال واحتج له بعض أهل اللغة فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا به ، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال ، وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا ، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل ، فإذا لم يظهر فعل لم يكن حالا ، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال عبد اللّه راكبا يعني أقبل عبد اللّه راكبا ، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله عبد اللّه يتكلم يصلح بين الناس فكان يصلح حالا ، فقول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده . وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي اللّه سبحانه شيئا عن الخلق وينسبه لنفسه فيكون له في ذلك شريك ألا ترى قوله عز وجل :
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
[ النمل : 65 ] وقوله :
لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
[ الأعراف : 187 ] وقوله :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] فكان هذا كله مما استأثر اللّه سبحانه به لا يشركه فيه غيره وكذلك قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
ولو كانت الواو في قوله :
وَالرَّاسِخُونَ
للنسق لم يكن لقوله :
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
فائدة انتهى . قال القرطبي ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم اللّه عز وجل وأنهم داخلون في علم المتشابه ، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به ، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم ويقولون على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين . ولا يخفاك أن ما قاله الخطابي في وجه امتناع كون قوله :
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
حالا من أن العرب لا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل إلى آخر كلامه لا يتم إلا على فرض أنه لا فعل هنا ، وليس الأمر كذلك فالفعل مذكور وهو قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
ولكنه جاء الحال من المعطوف وهو قوله :
الرَّاسِخُونَ
دون المعطوف عليه وهو قوله :
إِلَّا اللَّهُ
وذلك جائز في اللغة العربية وقد جاء مثله في الكتاب العزيز ، ومنه قوله تعالى :
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
[ الحشر : 8 ] إلى قوله :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا
[ الحشر : 10 ] الآية وكقوله :
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 431 | صديق الحسيني القنوجي البخاري