تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
[ الفجر : 22 ] أي وجاءت الملائكة صفا صفا . ولكن ههنا مانع آخر من جعل ذلك حالا وهو أن تقييد علمهم بتأويله بحال كونهم قائلين آمنا به ليس بصحيح فإن الراسخين في العلم على القول بصحة العطف على الاسم الشريف يعلمونه في كل حال من الأحوال إلا في هذه الحالة الخاصة ، فاقتضى هذا أن جعل قوله :
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
حالا غير صحيح ، فتعين المصير إلى الاستئناف والجزم بأن قوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
مبتدأ خبره يقولون . قال البغوي وهذا أقيس بالعربية وأشبه بظاهر الآية . ومن جملة ما استدل به القائلون بالعطف أن اللّه سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم لا يعلمون ذلك ، ويجاب عن هذا بأن تركهم لطلب علم ما لم يأذن اللّه به ولا جعل لخلقه إلى علمه سبيلا هو من رسوخهم ، لأنهم علموا أن ذلك مما استأثر اللّه بعلمه ، وأن الذين يتبعونه هم الذين في قلوبهم زيغ ، وناهيك بهذا من رسوخ . وأصل الرسوخ في لغة العرب الثبوت في الشيء ، وكل ثابت راسخ وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل أو الشجر في الأرض ، فهؤلاء ثبتوا في امتثال ما جاءهم من اللّه من ترك اتباع المتشابه وإرجاع علمه إلى اللّه سبحانه . ومن أهل العلم من توسط بين المقالين فقال التأويل يطلق ويراد به في القرآن شيئان أحدهما : التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ومنه قوله :
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ
[ يوسف : 100 ] ومنه قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ
[ الأعراف : 53 ] أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد ، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمها إلا اللّه عز وجل ، ويكون قوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
مبتدأ ، و
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
خبره . وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله :
نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ
[ يوسف : 36 ] أي تفسيره فالوقف على
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه ، وعلى هذا فيكون
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
حالا منهم . ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون تأويله ، وأطنب في ذلك ، وهكذا جماعة من محققي المفسرين رجحوا ذلك . قال القرطبي : قال شيخنا أحمد بن عمرو هو الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقضي بأنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع ، لكن المتشابه