تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
المقام ، حتى صارت كل طائفة تسمى ما دلّ على ما تذهب إليه محكما ، وما دلّ على ما يذهب إليه ما يخالفها متشابها ، سيما أهل علم الكلام ، ومن أنكر هذا فعليه بمؤلفاتهم . واعلم أنه قد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على أنه جميعه محكم ، لكن لا بهذا المعنى الوارد في الآية هذه بل بمعنى آخر ، ومن ذلك قوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
[ هود : 1 ] وقوله :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
[ يونس : 1 ] والمراد بالمحكم بهذا المعنى أنه صحيح الألفاظ قويم المعنى ، فائق في البلاغة والفصاحة على كل كلام . وورد أيضا ما يدل على أنه جميعه متشابه لكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، بل بمعنى آخر ، ومنه قوله :
كِتاباً مُتَشابِهاً
[ الزمر : 23 ] والمراد بالمتشابه بهذا المعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الصحة والفصاحة والحسن والبلاغة . وقد ذكر أهل العلم لورود المتشابه في القرآن فوائد منها أنه يكون في الوصول إلى الحق مع وجودها فيه مزيد صعوبة ومشقة ، وذلك يوجب مزيد ، الثواب للمستخرجين للحق وهم الأئمة المجتهدون . وقد ذكر الزمخشري والرازي وغيرهما وجوها هذا أحسنها ، وبقيتها لا تستحق الذكر ههنا . وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « نزل القرآن على سبعة أحرف ، والمراء في القرآن كفر ، ما عرفتم فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه » ، وإسناده صحيح . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس : تفسير القرآن على أربعة وجوه ، تفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام ، وتفسير تعرفه العرب بلغتها ، وتفسير لا يعلم تأويله إلا اللّه ، من ادعى علمه فهو كاذب . وأخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في الحجة عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له ضبيع قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال من أنت فقال أنا ضبيع فقال وأنا عبد اللّه عمر ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمي رأسه فقال : يا أمير المؤمنين حسبك قد