تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
وبالجملة فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل ، وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير وهلم جرا بالتأويل ، وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والإسماعيلية والنصرية من باب التأويل . فما امتحن الإسلام بمحنة إلا وسببها التأويل ، فإن محنته إما من المتأولين وإما أن تسلط عليهم الكفار بسبب ما ارتكبوا من التأويل أو خالفوا في ظاهر التنزيل ، وتعللوا بالأباطيل . وما الذي أراق دماء بني جذيمة وقد أسلموا غير التأويل حتى رفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يديه فتبرأ إلى اللّه من فعل المتأول لقتلهم وأخذ أموالهم . وما الذي أوجب تأخر الصحابة رضي اللّه عنهم يوم الحديبية عن موافقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غير التأويل حتى اشتد غضبه لتأخرهم عن طاعته حتى رجعوا عن ذلك التأويل ؟ وما الذي سفك دم أمير المؤمنين عثمان ظلما وعدوانا ، وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه حتى الآن غير التأويل ؟ . وما الذي سفك دم عمار بن ياسر وأصحابه غير التأويل . وما الذي أراق دم ابن الزبير وحجر بن عدي وسعيد بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل ؟ . وما الذي أريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل . وما الذي جرد الإمام أحمد بين العقابين وضرب السياط حتى عجت الخليقة إلى ربها غير التأويل ؟ . وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلد خلقا من العلماء في السجون حتى ماتوا غير التأويل ؟ . وما الذي سلط سوق التتار على دار الإسلام حتى ردوا أهلها غير التأويل ؟ . وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل ؟ . وهل فتح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم اللّه في تعليمه عباده البيان الذي امتن في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه ، فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان ، وهو فرق بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن اللّه وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له ، وبين رده وعدم قبوله ، ولكن هذا رد جحود ومعاندة وذلك رد خداع ومصانعة .