تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
أولى منها بالبيان والهداية ، وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال اللّه فيهم
وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
[ الأنبياء : 18 ] انتهى . ولو علم المتأولون كلام اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالتأويلات التي لم يردها ولم يدل عليها كلامه ، أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة وأي بناء للإسلام هدموا بها وأي معاقل وحصون استباحوها ، كان أحدهم لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه أن يتعاطى شيئا من ذلك ، فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذرا له فيما تأوله هو وقال ما الذي حرم على التأويل وأباحه لكم ؟ فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد ، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين ، وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ، وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة ، وكذلك القدرية في نصوص القدر ، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم وكذلك القرامطة والباطنية والمتصوفة طردت الباب وحملت الوادي على القرى وتأولت الدين كله . فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده اللّه ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده ، وهل اختلف الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل ، وهل وقعت في الأمة فتنة صغيرة أو كبيرة إلا بالتأويل ، فمن بابه دخل إليها ، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل ، وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل ، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد . وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في الكتب المتقدمة ولكن سلطوا عليها التأويلات فأفسدوها كما أخبر سبحانه عنهم من التحريف والتبديل والكتمان ، والتحريف : تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم ، والتبديل تبديل لفظه بلفظ آخر والكتمان جحده ، وهذه الأودات الثلاثة منها غيرت الأديان والملل . وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى فساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد مثله في شيء من الأديان ، ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل ، وكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرقوا إلى فساد ديانات الرسل بالتأويل ، ومن بابه دخلوا وعلى أساسه بنوا وعلى نقطه حطوا . والمتأولون أصناف عديدة بحسب الباعث لهم على التأويل وبحسب قصور أفهامهم ورقودها وأعظمهم توغلا في التأويل الباطل من قصد قصده وفهمه كما شاء قصده وقصر فهمه كان تأويله أشد انحرافا .