يتنوع فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر اللّه بعلمه وهذا لا يتعاطى علمه أحد ، فمن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه ، فإنما أراد هذا النوع ، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ويزال ما فيه من تأويل غير مستقيم انتهى .
وقال الرازي : لو كان الراسخون في العلم عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه فإنهم لما عرفوه بالدلائل صار الإيمان به كالإيمان بالمحكم ، فلا يكون في الإيمان به بخصوصه مزيد مدح .
وأقول هذا الاضطراب الواقع في مقالات أهل العلم أعظم أسبابه اختلاف أقوالهم في تحقيق معنى المحكم والمتشابه ، وقد قدمنا ما هو الصواب في تحقيقهما ونزيدك ههنا إيضاحا وبيانا فنقول :
إن من جملة ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قدمناه فواتح السور فإنها ، غير متضحة المعنى ولا ظاهرة الدلالة ، لا بالنسبة إلى أنفسها لأنه لا يدري من يعلم بلغة العرب ويعرف عرف الشرع ما معنى
ألم ، *
المر ،
لَحْمَ ، *
طس ،
طسم *
ونحوها لأنه لا يجد بيانها في شيء من كلام العرب ولا من كلام الشرع فهي غير متضحة المعنى لا باعتبارها في نفسها ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ويوضحها ، ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم والألفاظ العربية التي لا يوجد في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يوضحها ، وهكذا ما استأثر اللّه بعلمه كالروح وما في قوله :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ
[ لقمان : 34 ] إلى آخر الآية ونحو ذلك .
وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره كورود الشيء محتملا لأمرين احتمالا لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشيء في نفسه ، وذلك كالألفاظ المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من الأمور الخارجة ، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضا كليا بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر باعتبار نفسه ولا باعتبار أمر آخر يرجحه .
وأما ما كان واضح المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفا في لغة العرب أو في عرف الشرع أو باعتبار غيره وذلك كالأمور المجملة التي ورد بيانها في موضع آخر في الكتاب العزيز أو السنة المطهرة ، والأمور التي تعارضت دلالتها ثم ورد ما يبين راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب أو السنة أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول المقبولة عند أهل الانصاف ، فلا شك ولا ريب أن هذه من المحكم لا من المتشابه ، ومن زعم أنها من المتشابه فقد اشتبه عليه الصواب .
فاشدد يديك على هذا فإنك تنجو به من مضايق ومزالق وقعت للناس في هذا