قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى بالكشف عن مناهج الأدلة وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة إلى أن قال :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ
وهؤلاء أهل الجدل والكلام وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره وقالوا إن هذا التأويل هو المقصود به ، وإنما أمر اللّه به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ، ونعوذ باللّه من هذا الظن باللّه ، بل نقول إن كتاب العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فما أبعد من مقصد الشارع من قال فيما ليس بمتشابه أنه متشابه ، ثم أول ذلك المتشابه بزعمه ، وقال لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه .
قال فهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى ، وزعمت أنه هو الذي قصده الشرع حتى تمزق الشرع كل ممزق ، وبعد جدا عن موضوعه الأول .
ولما علم صاحب الشرع صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة » « 1 » يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله .
وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد والعارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح ، وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى ، هذا كلامه بلفظه .
ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين وما نال الأمم قديما وحديثا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدة أسفار واللّه المستعان .
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
التأويل يكون بمعنى التفسير كقولهم تأويل هذه الكلمة على كذا أي تفسيرها ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه ، واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه أي صار وأولته تأويلا أي صيرته ، وهذه الجملة حالية أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله ، والحال أنه ما يعلم تأويله إلا اللّه .
وقد اختلف أهل العلم في قوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
هل هو
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 1 ، والترمذي في الإيمان باب 18 ، وابن ماجة في الفتن باب 17 ، وأحمد في المسند 2 / 332 ، 3 / 145 .