تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
إلى قوله :
أُولُوا الْأَلْبابِ
قالت : قال : « إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى اللّه فاحذروهم » « 1 » وفي لفظ « فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك سماهم اللّه فاحذروهم » « 2 » هذا لفظ البخاري . ولفظ ابن جرير وغيره فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه ، فهم الذين عنى اللّه فلا تجالسوهم وأخرج الطبراني وأحمد والبيهقي وغيرهم عن أبي أمامة عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « هم الخوارج » . وقال ابن القيم في الإعلام إذا سئل أحد عن تفسير آية من كتاب اللّه أو سنة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه ، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الكلام قديما وحديثا . وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى ، والذي نرتضيه رأيا وندين للّه به اتباع سلف الأمة . وقد درج صحابة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام والمثقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ، ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محبوبا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع ، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى . وقال الغزالي : الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذر التعبير عنها ، وقد اتفقت كلمة الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله . وقال بعض أهل العلم كيف لا يخشى الكذب على اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب 7 ، وأحمد في المسند 6 / 48 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 3 ، باب 1 ، وأبو داود في السنة باب 2 ، والدارمي في المقدمة باب 19 .