تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
وخنازير وقيل العهد ، ومنه قوله تعالى :
وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي
[ آل عمران : 81 ] . وهذا الخلاف يرجع إلى بيان ما هو الإصر الذي كان على من قبلنا لا إلى معنى الإصر في لغة العرب فإنه تقدم ذكره بلا نزاع ، والإصار الحبل الذي يربط به الأحمال ونحوها يقال أصر يأصر أصرا حبس ، والإصر بكسر الهمزة من ذلك ، قال الجوهري : والموضوع مأصر والجمع مآصر ، ومعنى الآية أنهم طلبوا من اللّه سبحانه أن لا يحملهم من ثقيل التكاليف ما حمل الأمم قبلهم .
كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
يعني اليهود ، وذلك أن اللّه فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم زكاة ، ومن أصاب منهم ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه ، نحو هذا من الأثقال والآصار .
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
تكرير النداء للنكتة المذكورة قبل هذا ، والمعنى لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق وقيل : هو عبارة عن إنزال العقوبات كأنه قال لا تنزل علينا العقوبات بتفريطنا في المحافظة على تلك التكاليف الشاقة التي كلفت بها من قبلنا ، وقيل المراد به الشاق الذي لا يكاد يستطاع من التكاليف ، والطاقة القدرة على الشيء .
وَاعْفُ عَنَّا
أي عن ذنوبنا يقال عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه عليه
وَاغْفِرْ لَنا
أي استر على ذنوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة ، والغفر الستر
وَارْحَمْنا
أي تفضل برحمة منك علينا وتعطف بنا
أَنْتَ مَوْلانا
أي وليّنا وناصرنا ، وخرج هذا مخرج التعليم كيف يدعون ، وقيل معناه أنت سيدنا ونحن عبيدك
فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
فإن من حق المولى أن ينصر عبيده والمراد عامة الكفرة وفيه إشارة إلى اعلاء كلمة اللّه بالجهاد في سبيله . وقد قدمنا في شرح الآية التي قبل هذا أنه ثبت في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أن اللّه تعالى قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات « قد فعلت » فكان ذلك دليلا على أنه سبحانه لم يؤاخذهم بشيء من الخطأ والنسيان ، ولا حمل عليهم شيئا من الإصر الذي حمله على من قبلهم ، ولا حمّلهم ما لا طاقة لهم به ، وعفا عنهم وغفر لهم ورحمهم ونصرهم على القوم الكافرين ، والحمد للّه رب العالمين . وقد أخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان في صحيحه والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 1 » وروي من طرق كثيرة وفي أسانيدها مقال
هامش
( 1 ) تقدم راجع الحاشية السابقة .