تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
اللَّعْنَةُ
[ غافر : 52 ] و
عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ
[ البقرة : 157 ] اللهم إلا أن يقال هما يقتضيان ذلك عند الاطلاق بلا ذكر الحسنة والسيئة أو أنهما يستعملان لذلك عند تقاربهما كما في هذه الآية .
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
أي لا تؤاخذنا بإثم ما يصدر منا من هذين الأمرين ، وقد استشكل هذا الدعاء جماعة من المفسرين وغيرهم قائلين إن الخطأ والنسيان مغفوران غير مؤاخذ بهما فما معنى الدعاء بذلك فإنه من تحصيل الحاصل . وأجيب عن ذلك بأن المراد طلب عدم المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب المؤدية إلى النسيان والخطأ من التفريط وعدم المبالاة لا من نفس النسيان والخطأ فإنه لا مؤاخذة بهما كما يفيد ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان » « 1 » وسيأتي تخريجه . وقيل إنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء لقصد استدامته . وقيل إنه وإن ثبت شرعا أنه لا مؤاخذة بهما فلا امتناع في المؤاخذة بهما عقلا . وقيل لأنهم كانوا على جانب عظيم من التقوى بحيث لا يصدر عنهم الذنب تعمدا وإنما يصدر عنهم خطأ أو نسيانا فكأنه وصفهم بالدعاء بذلك إيذانا بنزاهة ساحتهم عما يؤاخذون به ، كأنه قيل إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذون به فما منهم سبب المؤاخذة إلا الخطأ والنسيان . قال القرطبي : وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع ولا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله اختلف فيه ، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات ، والديانات والصلوات المفروضات ، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر ، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا ، وما كان مثله مما يقع خطأ أو نسيانا ، ويعرف ذلك في الفروع انتهى . والآية تعليم من اللّه لعباده كيفية الدعاء وهذا من غاية الكرم حيث يعلمهم الطلب ليعطيهم المطلوب .
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
تكرير النداء للإيذان بمزيد التضرّع واللجوء إلى اللّه سبحانه ، والإصر العبء الثقيل الذي يأصر صاحبه أي يحسبه مكانه لا يستقل به لثقله ، والمراد به هنا التكليف الشاق والأمر الغليظ الصعب ، وقيل الإصر شدة العمل وما غلظ على بني إسرائيل من قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة ، وقيل الإصر المسخ قردة
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الطلاق باب 16 ، بلفظ : « إن اللّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان » .