أنزلا عليه ، وذكر فيما تقدم أن الكتاب نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأن القصد هنا ليس إلا ذكر الكتابين لا ذكر من نزلا عليه وهما اسمان عبرانيان ، وقيل سريانيان كالزبور ، وقيل التوراة مشتقة من قولهم ورى الزند إذا قدح فظهر منه نار ، وقيل من وريت في كلامي من التورية وهي التعريض ، والإنجيل مشتق من النجل وهو التوسعة ، والأول أولى .
مِنْ قَبْلُ
أي قبل تنزيل الكتاب يعني القرآن
هُدىً
حال أو مفعول له
لِلنَّاسِ
والمراد بالناس أهل الكتابين أو ما هو أعم لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع ، قال ابن فورك للناس المتقين
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
الفارق بين الحق والباطل وهو القرآن ، وكرر ذكره تشريفا له مع ما يشتمل عليه هذا الذكر الآخر من الوصف له بأنه يفرق بين الحق والباطل .
قال قتادة فأحل فيه حلاله وحرم فيه حرامه ، وشرع فيه شرائعه وحد فيه حدوده وفرض فيه فرائضه ، وبين فيه بيانه ، وأمر بطاعته ونهى عن معصيته .
وقال محمد بن جعفر بن الزبير أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره ، وذكر التنزيل أولا والإنزال ثانيا لكونه جامعا بين الوصفين فإنه أنزل إلى سماء الدنيا جملة ثم نزل منها إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مفرقا منجما على حسب الحوادث كما سبق ، وقيل إنهما لمجرد التعدية والجمع بينهما للتفنن وهو الأولى ، وقيل أراد بالفرقان جميع الكتب المنزلة من اللّه تعالى على رسله وقيل الزبور لاشتماله على المواعظ الحسنة والأول أولى .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
قيل أراد بهم نصارى وفد نجران كفروا بالقرآن وبمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وقيل إن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فهو يتناول كل من كفر بشيء من آيات اللّه
بِآياتِ اللَّهِ
أي بما يصدق عليه أنه آية من الكتب المنزلة وغيرها أو بما في الكتب المنزلة المذكورة على وضع آيات اللّه موضع الضمير العائد إليها ، وفيه بيان الأمر الذي استحقوا به الكفر .
لَهُمْ
بسبب هذا الكفر
عَذابٌ شَدِيدٌ
أي عظيم في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالخلود في النار
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
لا يغالبه مغالب
ذُو انْتِقامٍ
عظيم النقمة والسطوة ، يقال انتقم منه إذا عاقبه بسبب ذنب قد تقدم منه ، وقال محمد بن جعفر بن الزبير أي إن اللّه ينتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته بما جاء منه فيها .
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
هذه الجملة استئنافية لبيان سعة علمه وإحاطته بالمعلومات لعلمه بما يقع في العالم من كلي وجزئي ، وفيه رد على الحكماء في قولهم إنه لا يعلم الجزئيات إلا بوجه كلي لأنه في الحقيقة نفي للعلم بالجزئي ، وعبر عن معلوماته بما في الأرض والسماء مع كونها أوسع من ذلك