تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
لا يَقُومُونَ
أي يوم القيامة من قبورهم ، وبهذا فسره جمهور المفسرين ، قالوا إنه يبعث كالمجنون عقوبة له تمقيتا عند أهل المحشر ، وقيل إن المراد تشبيه من يحرص في تجارته فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون لأن الحرص والطمع والرغبة في الجمع قد استفزته حتى صار شبيها في حركته بالمجنون ، كما يقال لمن يسرع في مشيه ويضطرب في حركاته إنه قد جن .
إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
أي يصرعه ، وأصل الخبط الضرب بغير استواء كخبط العشواء ، وهو المصروع ، والمس المجنون والممسوس المجنون ، وكذلك الأولق ، قال سعيد بن جبير : تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة . وفي الآية دليل على فساد قول من قال إن الصرع لا يكون من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع ، وقال : إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان وليس بصحيح وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس ، وقد استعاذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أن يتخبطه الشيطان « 1 » كما أخرجه النسائي وغيره . وقد وردت أحاديث كثيرة في تعظيم ذنب الربا منها حديث عبد اللّه بن مسعود عند الحاكم وصححه والبيهقي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم » « 2 » . وورد هذا المعنى مع اختلاف العدد عن جماعة من الصحابة ، وورد عن جماعة منهم أن آخر آية أنزلها على رسوله آية الربا .
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا
ذلك إشارة إلى ما ذكر من حالهم وعقوبتهم بسبب قولهم :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
أي أنهم جعلوا البيع والربا شيئا واحدا أي اعتقدوا مدلول هذا القول وفعلوا مقتضاه أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلاله ، وقالوا يجوز بيع درهم بدرهمين ، وإنما شبهوا البيع بالربا مبالغة بجعلهم الربا أصلا والبيع فرعا ، أي إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل كالبيع بزيادة عند حلوله فإن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك ، وهذا من عكس التشبيه مبالغة وهو أعلى مراتبه نحو قولهم : القمر كوجه زيد والبحر ككفه إذ صار المشبّه مشبها به . فرد اللّه عليهم بقوله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
أي أن اللّه تعالى أحل البيع وحرم نوعا من أنواعه وهو البيع المشتمل على الربا الذي هو زيادة في المال لأجل
هامش
( 1 ) لفظ الحديث : « وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان » ، أخرجه أبو داود في الوتر باب 32 ، والنسائي في الاستعاذة باب 61 ، وأحمد في المسند 2 / 356 ، 3 / 427 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب 58 .