لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
الإلحاف الإلحاح في المسألة وهو مشتق من اللحاف سمي بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف على التغطية ، والمعنى أنهم لا يسألونهم البتة لا سؤال إلحاح ولا سؤال غير إلحاح ، وبه قال الطبري والزجاج وإليه ذهب جمهور المفسرين .
ووجهه أن التعفف صفة ثابتة لهم لا تفارقهم ومجرد السؤال ينافيها ، وقيل المراد أنهم إذا سألوا سألوا بتلطف ولا يلحفون في سؤالهم ، وهذا وإن كان هو الظاهر من توجه النفي إلى القيد دون المقيد لكن صفة التعفف تنافيه ، وأيضا كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء لا يكون إلا مع عدم السؤال البتة .
وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف ، واقرؤوا إن شئتم
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
« 1 » .
وقد ورد في تحريم المسألة أحاديث كثيرة إلا من ذي سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا .
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
أي يعلم مقادير الإنفاق يجازي عليه وفيه حث على الصدقة والإنفاق في الطاعة لا سيما على هؤلاء .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 274 ]
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 274 )
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً
يفيد زيادة رغبتهم في الإنفاق وشدة حرصهم عليه حتى أنهم لا يتركون ذلك ليلا ولا نهارا ويفعلونه سرا وجهرا عند أن تنزل بهم حاجة المحتاجين وتظهر لديهم فاقة المفتاقين في جميع الأزمنة على جميع الأحوال .
وعن ابن عباس بسند ضعيف قال : نزلت في علي بن أبي طالب كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا ودرهما سرا ودرهما علانية .
وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية لأنه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار ، وقدم السر على العلانية .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 2 ، باب 48 ، ومسلم في الزكاة حديث 102 ، وأبو داود في الزكاة ، باب 24 ، 28 ، والنسائي في الزكاة باب 76 ، وأحمد في المسند 1 / 384 ، 2 / 395 ، 445 ، 506 .