وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الأحكام وهو الاتفاق في عمل أو قول ، وكل ما ذكر هو نوع من الحكمة التي هي الجنس ، فكتاب اللّه تعالى حكمة ، وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم حكمة ، وأصل الحكمة ما يمنع من السفه وهو كل قبيح .
وعن ابن عباس قال : الحكمة المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله .
وعنه قال إنها القرآن ، يعني تفسيره ، وعنه إنها الفقه في القرآن ، وعن أبي الدرداء إنها قراءة القرآن والتفكر فيه ، وعن أبي العالية هي الكتاب والفهم به ، وبه قال النخعي ، وعن مجاهد هي الكتاب يؤتي إصابته من يشاء ، وعنه قال : هي الإصابة في القول ، وعن أبي العالية ومطر الوراق قال في الخشية .
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
قرىء ومن يؤت الحكمة على البناء للفاعل ، وقراءة الجمهور على البناء للمفعول أي من أعطاه اللّه الحكمة أي العلم النافع المؤدي إلى العمل الصالح فقد أعطاه خيرا عظيما قدره ، جليلا خطره ، لمصيره إلى السعادة الأبدية ، والتنكير للتعظيم .
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
أي الذين عقلوا عن اللّه أمره ونهيه ، والألباب العقول واحدها لبّ ، وقد تقدم الكلام فيه ، وفيه من الترغيب في المحافظة على الأحكام الواردة في شأن الإنفاق ما لا يخفى ، والجملة إما الحال وإما اعتراض تذييلي .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 270 إلى 271 ]
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 ) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 )
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
ما شرطية ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف أي الذي أنفقتموه ، وهذا بيان لحكم كلي عام يشمل كل صدقة مقبولة وغير مقبولة ، وكل نذر مقبول وغير مقبول ، وفيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول ، والوعيد لمن جاء بعكس ذلك .
ووحّد الضمير مع كونه مرجعه شيئين هما النفقة والنذر لأن التقدير : وما أنفقتم من نفقة فإن اللّه يعلمها أو نذرتم من نذر فإن اللّه يعلمه ، ثم حذف أحدهما استغناء بالآخر ، قاله النحاس .
وقيل إنما كان العطف فيه بكلمة « أو » كما في قولك زيد أو عمرو ، فإنه يقال أكرمته ولا يقال أكرمتهما .
والأولى أن يقال إن العطف بأو يجوز فيه الأمران : توحيد الضمير كما في هذه