تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
إلى أنها تعم صدقة الفرض والتطوع وهو الظاهر ، وسيأتي من الأدلة ما يؤيد هذا . وتقديم الظرف يفيد التخصيص أي لا تخصوا الخبيث بالإنفاق أي لا تقصدوا المال الخبيث مخصصين الإنفاق به قاصرين له عليه . أخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وغيرهما عن البراء بن عازب قال : نزلت فينا معشر الأنصار ، كنا أصحاب نخل وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفّة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر ، والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف ، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » ، وفي الباب أحاديث . وعن علي قال : نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة ، وعن ابن عباس قال : كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون فأنزل اللّه هذه الآية .
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ
أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات ، هكذا بيّن معناه الجمهور ، وقيل معناه ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع
إِلَّا أَنْ
أي بأن
تُغْمِضُوا فِيهِ
هو من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل ورضي ببعض حقه وتجاوز وغض بصره عنه . وقرىء بفتح التاء وكسر الميم مخففا ، وقرىء بضم التاء وكسر الميم مشددة ، والمعنى على الثانية إلا أن تهضموا سومها من البائع منكم ، وعلى الثالثة إلا أن تأخذوا بنقصان ، قال ابن عطية : وقراءة الجمهور وهي الأولى تخرج على التجاوز أو على تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض ، أو على أن « إلا » بمعنى حتى أي حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك ، والاغماض يطلق على كل من التساهل في الشيء واطباق جفن العين . وإذا عرفت هذا عرفت أن لا حاجة لدعوى المجاز والكناية التي قالها بعضهم . والمعنى لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الاغماض .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ
عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق لعوز واحتياج إليها بل لنفعكم بها واحتياجكم لثوابها فينبغي لكم أن تتحروا فيها الطيب
حَمِيدٌ
محمود في أفعاله على كل حال من التعذيب والإثابة .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 268 إلى 269 ]

الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 269 )
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 2 ، باب 34 .