الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
قد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه ، ويعدكم معناه يخوفكم بالفقر لئلا تنفقوا ، فهذه الآية متصلة بما قبلها وقرىء الفقر بضم الفاء وهي غلة ، قال الجوهري : والفقر لغة في الفقر مثل الضعف والضعف
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
أي الخصلة الفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها ، والبخل عن الإنفاق في الطاعات ، قال في الكشاف : والفاحش عند العرب البخيل انتهى .
ولكن العرب وإن أطلقته على البخيل فذلك لا ينافي إطلاقهم على غيره من المعاصي ، وقد وقع كثيرا في كلامهم ، والمعنى يحسن لكن البخل ومنع الزكاة والصدقة ، قال الكلبي : كل فحشاء في القرآن فالمراد به الزنا إلا هذا الموضع .
وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
بسبب الإنفاق كقوله :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
[ هود : 114 ] وقوله :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ
[ سبأ : 39 ] والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير ، وإذا قيد فقد يقيد تارة بالخير وتارة بالشر ، ومنه قوله تعالى :
النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الحج : 72 ] ومنه أيضا ما في هذه الآية من تقييد وعد الشيطان بالفقر وتقييد وعد اللّه سبحانه بالمغفرة والفضل .
والمغفرة الستر على عباده في الدنيا والآخرة لذنوبهم وكفارتها ، والفضل أن يخلف عليهم أفضل مما أنفقوا فيوسع لهم في أرزاقهم وينعم عليهم في الآخرة با هو أفضل وأكثر وأجل وأجمل .
وَاللَّهُ واسِعٌ
أي غني قادر على إغنائكم وإخلاف ما تنفقونه
عَلِيمٌ
بإنفاقكم لا تخفى عليه خافية .
عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان لأن يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر أعط ممسكا تلفا » « 1 » ، أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث .
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
الحكمة هي العلم وقيل الفهم ، وقيل الإصابة في القول ، ولا مانع من الحمل على الجميع شمولا أو بدلا ، وقيل إنها النبوة وقيل الخشية وقيل العقل ، وقيل الورع ، وقيل المعرفة بالقرآن وقيل الفقه في الدين وقيل التفكر في أمر اللّه وقيل طاعة اللّه والعمل بها .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الزكاة باب 27 ، ومسلم في الزكاة حديث 57 ، وأحمد في المسند 2 / 306 ، 347 ، 5 / 197 .