تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 260 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 260 )
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
إذ ظرف منصوب بفعل محذوف أي اذكر وقت قول إبراهيم ، وإنما كان الأمر بالذكر موجها إلى الوقت دون ما وقع فيه مع كونه المقصود لقصد المبالغة لأن طلب وقت الشيء يستلزم طلبه بالأولى ، وهكذا يقال في سائر المواضع الواردة في الكتاب العزيز بمثل هذا الظرف . وقوله « ربّ » آثره على غيره لما فيه من الاستعطاف الموجب لقبول ما يرد بعده من الدعاء ، قال الأخفش : لم يرد رؤية القلب ، وإنما أراد رؤية العين ، وكذا قال غيره ولا يصح أن يراد به الرؤية القلبية هنا لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة .
قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني إراءته
قالَ بَلى
علمت وآمنت بأنك قادر على ذلك
وَلكِنْ
سألت
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان . وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم لم يكن شاكا في إحياء الموتى قط ، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ليس الخبر كالمعاينة « 1 » . وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة اللّه ، واستدلوا بما صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصحيحين وغيرهما في قوله : « نحن أحق بالشك من إبراهيم » « 2 » ، وبما روي عن ابن عباس أنه قال : ما في القرآن عندي آية أرجى منها . أخرجه عنه الحاكم وصححه ، ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له . قال ابن عطية وهو عندي مردود يعني قول هذه الطائفة ثم قال : وأما قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن أحق بالشك من إبراهيم » فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم أحرى أن لا يشك . فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 215 ، 271 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 11 ، وتفسير سورة 2 ، باب 46 ، ومسلم في الأيمان حديث 238 ، والفضائل حديث 152 ، وابن ماجة في الفتن باب 23 ، وأحمد في المسند 2 / 326 .