تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
لها ، وقيل المراد بالقرية أهلها ، وقيل هي القرية التي خرج أهلها من ديارهم وهم ألوف ، وقال الكلبي : هي دير سابر آباد موضع بفارس ، وقال السدي : سلماباد محلة أو قرية من نواحي جرجان أو همدان ، وقيل دير هرقل بين بصرة وعسكر مكرم على شط دجلة ، والأول هو الأظهر والأشهر .
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
أي ساقطة يعني سقط السقف ثم سقطت الحيطان عليه ، قاله السدي واختاره ابن جرير ، وقيل معناه خالية من الناس ، والبيوت قائمة ، وأصل الخوى : الخلو يقال خوت الدار وخويت تخوى خواء ممدود وخويا أقوت ، والخوى أيضا الجوع لخلو البطن عن الغذاء . والظاهر القول الأول بدلالة قوله
عَلى عُرُوشِها
من خوى البيت إذا سقط وخوت الأرض إذا انهدمت ، قال ابن عباس : خاوية أي خراب ، وقال قتادة : خاوية أي ليس فيها أحد ، وقال الضحاك : العروش السقوف .
قالَ
أي ذلك المار
أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
أي متى يحيي أو كيف يحيي ، وهو استبعاد لإحيائها وهي على تلك الحالة المشابهة لحالة الأموات المباينة لحالة الأحياء ، وتقديم المفعول لكون الاستبعاد ناشئا من جهته لا من جهة الفاعل ، وقيل : قال ذلك استعظاما لقدرته تعالى ، قاله السيوطي . وعبارة أبي السعود قال : ذلك تلهفا عليها ، وتشوقا إلى عمارتها مع استشعار اليأس منها ، وعبارة البيضاوي قال : ذلك اعترافا بالقصور عن معرفة طريق الإحياء . وسبب توجعه على تلك القرية إنه كان أهلها من جملة من سباهم بخت نصر ، فلما خلص من السبي وجاء ورآها على تلك الحالة توجع وتلهف . ولما قال المار هذه المقالة مستبعدا لإحياء القرية المذكور بالعمارة لها والسكون فيها ضرب اللّه له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه فقال :
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ
وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول شكا في قدرة اللّه على الإحياء فلذلك ضرب له المثل في نفسه . قال ابن عطية : ليس يدخل شك في قدرة اللّه سبحانه على إحياء قرية بجلب العمارة إليها وإنما يتصور الشك إذا كان سؤاله عن إحياء موتاها ، والعام السنة أصله مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان والعوم هو السباحة سميت السنة عاما لأن الشمس تعوم في جميع بروجها .
ثُمَّ بَعَثَهُ
أي أحياه ليريه كيفية ذلك ، وإيثار البعث على الإحياء للدلالة على سرعته وسهولة تأتيه على الباري تعالى كأنه بعثه من النوم ، وللإيذان بأنه عاد كهيئته يوم موته عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال .