تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
وأما قول ابن عباس : هي أرجى آية فمن حيث إن فيها الادلال على اللّه وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك . ويجوز أن نقول هي أرجى آية لقوله :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
أي أن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث ، قال : فالشك يبعد على من ثبت قدمه بالإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلّة والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا . وإذا تأملت سؤاله عليه السّلام وسائر الألفاظ للآية لم تعط شكا ، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول نحو قولك : كيف علم زيد ، وكيف نسج الثوب ، ونحو هذا ، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله . وقد يكون كيف خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف نحو قولك : كيف شئت فكن ، ونحو قول البخاري : كيف كان بدء الوحي ، وهي في هذه الآية استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياء متقرر ، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبّرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح . مثال ذلك أن يقول مدّع أنا أرفع هذا الجبل فيقول المكذب له أرني كيف ترفعه ، فهذه طريقة مجاز في العبارة ومعناها تسليم جدل ، كأنه يقول افرض أنك ترفعه . فلما كان في عبارة الخليل هذا الاشتراك المجازي خلص اللّه له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى
فكمل الأمر وتخلص من كل شيء ثم علل عليه السّلام سؤال بالطمأنينة . قال القرطبي : هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات اللّه عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث . وقد أخبر اللّه سبحانه أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] وقال اللعين :
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
[ الحجر : 40 ] وإذا لم تكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها ، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها . فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين . فقوله :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ
طلب مشاهدة الكيفية ، قال الماوردي : وليست الألف في قوله :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير ، والواو واو الحال ، وتؤمن معناه إيمانا مطلقا دخل فيه فصل إحياء الموتى ، والطمأنينة اعتدال وسكون ، وقال ابن جرير : ليوقن قلبي .