تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
انظر إليه كيف تفرقت أجزاؤه ونخرت عظامه وتقطعت أوصاله ، ثم أحياه اللّه وعاد كما كان لتشاهد كيفية الإحياء ، فالنظران مختلفان ، وقال الضحاك ووهب بن منبه : انظر إلى حمارك قائما في مربطه لم يصبه شيء بعد أن مضت عليه مائة عام . ويؤيد القول الأول قوله تعالى :
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها
ويؤيد القول الثاني مناسبته لقوله :
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ .
وإنما ذكر سبحانه عدم تغير طعامه وشرابه بعد إخباره أنه لبث مائة عام ، مع أن عدم تغير ذلك الطعام والشراب لا يصلح أن يكون دليلا على تلك المدة الطويلة ، بل على ما قاله من لبثه يوما أو بعض يوم ، لزيادة استعظام ذلك الذي أمات تلك المدة ، فإنه إذا رأى طعامه وشرابه لم يتغير مع كونه قد ظن أنه لم يلبث إلا يوما أو بعض يوم ، زادت الحيرة وقويت عليه الشبهة ، فإذا نظر إلى حماره عظاما نخرة تقرر لديه أن ذلك صنع من تأتي قدرته بما لا تحيط به العقول ، فإن الطعام والشراب سريع التغير ، وقد بقي هذه المدة الطويلة غير متغير ، والحمار يعيش المدة الطويلة وقد صار كذلك فتبارك اللّه أحسن الخالقين .
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ
وعبرة ودلالة على البعث بعد الموت قاله الفراء ، وقال الأعمش : كونه آية هو أنه جاء شابا على حاله يوم مات فوجد الأبناء والحفدة شيوخا .
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها
قرأ الكوفيون بالزاي والباقون بالراء ، وقد أخرج الحاكم وصححه عن زيد بن ثابت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ
كَيْفَ نُنْشِزُها
فمعنى القراءة بالزاي نرفعها ومنه النشز ، وهو المرتفع من الأرض أي نرفع بعضها إلى بعض ، وأما معنى القراءة بالراء فواضحة من أنشر اللّه الموتى أي أحياهم .
ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً
أي نسترها به كما يستر الجسد باللباس ، واستعار اللباس لذلك ولعل عدم التعرض لنفخ الروح لما أن الحكمة لا تقتضي بيانه .
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ
ما تقدم ذكره من الآيات التي أراه اللّه سبحانه وأمره بالنظر إليها والتفكر فيها التي استغربها ، قال ابن جرير : لما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة اللّه عنده قبل عيانه من إحياء القرية . وقال الزمخشري : ما أشكل عليه يعني من أمر الإحياء ، والأول أولى لأن قوة الكلام تدل عليه بخلاف الثاني .
قالَ أَعْلَمُ
أي علم مشاهدة بعد العلم اليقيني الحاصل بالفطرة والأدلة العقلية ، قال أبو علي الفارسي : معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته
أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
لا يستعصى عليه شيء من الأشياء ، ويدخل تحته الإماتة والإحياء دخولا أوليا .