تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
قال علي : فأول ما خلق اللّه عيناه فجعل ينظر إلى عظامه ينضم بعضها إلى بعض ثم كسيت لحما ثم نفخ فيه الروح ، قال علي : فأتى مدينته وقد ترك جارا له إسكافا شابا فجاء وهو شيخ كبير .
قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
اختلف في فاعل قال فقيل هو اللّه عز وجل وقيل ناداه بذلك ملك من السماء قيل هو جبريل وقيل غيره ، وقيل إنه نبي من الأنبياء وقيل رجل من المؤمنين من قومه شاهده عند إن أماته اللّه وعمر إلى حين بعثه ، والأول أولى لقوله فيما بعد
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها .
وإنما قال :
يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
بناء على ما عنده وفي ظنه فلا يكون كاذبا ، ومثله قول أصحاب الكهف
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
[ الكهف : 19 ] ومثله قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : في قصة ذي اليدين « لم تقصر ولم أنس » « 1 » وهذا مما يؤيد قول من قال : إن الصدق ما طابق الاعتقاد والكذب ما خالفه . وقيل إن اللّه أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس ، فقال :
لَبِثْتُ يَوْماً
وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال :
أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
وقيل إن أو بمعنى بل التي للإضراب وهو قول ثابت وقيل هي للشك والأول أولى .
قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ
هو استئناف أيضا كما سلف أي ما لبثت يوما أو بعض يوم بل لبثت مائة عام
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
الطعام هو التين الذي كان معه والشراب هو العصير ، والمعنى لم يتغير ولم ينتن فكان التين كأنه قد قطف من ساعته ، والعصير كأنه عصر من ساعته . أمره اللّه أن ينظر إلى هذا الأثر العظيم من أثار القدرة ، وهو عدم تغير طعامه وشرابه مع طول تلك المدة . والتسنّة مأخوذ من السنة أي لم تمر عليه السنون أي المائة سنة لبقائه على حاله وعدم تغيره مع طول الزمان ، مع أن شأنه التغير سريعا ، وأصله سنهة أو سنعة من سنهت النخلة وتسنهت إذا أتت عليها السنون ، ونخلة سنّاء أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى . وقيل هو من أسن الماء إذا تغير ، وكان يجب على هذا أن يقال يتأسن من قوله :
حَمَإٍ مَسْنُونٍ
[ الحجر : 26 ] قاله أبو عمرو الشيباني ، وقال الزجاج : ليس كذلك لأن قوله :
مَسْنُونٍ
ليس معناه متغير وإنما معناه مصبوب على سنه الأرض .
وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ
اختلف المفسرون في معناه فذهب الأكثر إلى أن معناه
هامش
( 1 ) أخرجه الدارمي في الصلاة باب 175 .