والذي ينبغي اعتماده ويتعين الوقوف عنده أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمه غير منسوخة ، وهو أن المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت يهود بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فنزلت « 1 » ، أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس .
وقد وردت هذه القصة من وجوه حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار قالوا إنما جعلناهم على دينهم أي دين اليهود ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا ، وأن اللّه جاء بالإسلام فلنكرهنّهم ، فلما نزلت خيّر الأبناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يكرههم على الإسلام .
وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم وأدوا الجزية ، وأما أهل الحرب فالآية وإن كانت تعمهم لأن النكرة في سياق النفي وتعريف الدين يفيدان ذلك ، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لكن قد خصص هذا العموم بما ورد في الآيات من إكراه أهل الحرب من الكفار على الإسلام .
وقد قيل هذه الآية إلى
خالِدُونَ
من بقية آية الكرسي ، والتحقيق أن هذه الآية مستأنفة جيء بها إثر بيان صفات الباري المذكورة إيذانا بأن من حق العاقل أن لا يحتاج إلى التكليف والإكراه في الدين بل يختار الدين الحق من غير تردد .
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
الرشد هنا الإيمان ، والغي الكفر أي قد تميز أحدهما في الآخر ، وأصل الغي بمعنى الجهل إلا أن الجهل في الاعتقاد والغي في الأعمال ، وهذا استئناف يتضمن التعليل لما قبله .
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
الطاغوت فعلوت من طغى يطغى ويطغو ، إذا جاوز الحد ، قال سيبويه : هو اسم مذكر مفرد أي اسم جنس يشمل القليل والكثير قاله سيبويه ، وقال أبو علي الفارسي إنه مصدر كرهبوت وجبروت يوصف به الواحد والجمع .
وقيل أصل الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق ، وقال المبرد هو جمع ، قال ابن عطية وذلك مردود .
قال الجوهري : والطاغوت الكاهن والساحر والشيطان وكل رأس في الضلال كل ما عبد من دون اللّه وقد يكون واحدا ، قال تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
[ النساء : 60 ] وقد يكون جمعا ، قال تعالى :
أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
[ البقرة : 257 ] والجمع الطواغيت أي فمن يكفر بالشيطان أو الأصنام أو أهل الكهانة ورؤوس الضلالة أو بالجميع .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الجهاد باب 116 .