تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
والحق القول الأول ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات جاءت عن الفلاسفة أقمأهم اللّه تعالى . والمراد بكونه وسع
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
أنها صارت فيه وإنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطا واسعا ، وأخرج الدارقطني في الصفات والخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قول اللّه وسع كرسيه قال : « كرسيه موضع قدمه والعرش لا يقدر قدره إلا اللّه عز وجل » وأخرجه الحاكم « 1 » وصححه . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر الغفاري أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكرسي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده ما السماوات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة » . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا أنه موضع القدمين وفي سنده الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك . وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم في وصف الكرسي آثار لا حاجة في بسطها .
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
معناه لا يثقله ولا يجهده ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض ، يقال آدني بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة ، وقال الزجاج : يحتمل أن يكون الضمير في قوله يؤوده للّه سبحانه ، ويجوز أن يكون للكرسي لأنه من أمر اللّه .
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
العلي يراد به علو القدر والمنزلة أي الرفيع فوق خلقه ليس فوقه شيء وقيل العلي بالملك والسلطنة والقهر فلا أعلى منه أحد ، وقيل علا من أن يحيط به وصف الواصفين ذو العظمة والجلال الذي كمل في عظمته . وحكى الطبري عن بعضهم أنهم قالوا : هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه ، قال ابن عطية : وهذا قول جهلة مجسمين وكان الواجب أن لا يحكى انتهى . والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف والخلف ، والنزاع فيه كائن بينهم والأدلة من الكتاب والسنة طافحة بها ، ولكن الناشئ على مذهب يرى غيره خارجا عن الشرع ، ولا ينظر في أدلته ولا يلتفت إليها الكتاب والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل ، ويتبين به الصحيح من الفاسد ، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض . ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على القاهر الغالب أيضا كما في قوله :
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ
[ القصص : 4 ] والعظيم بمعنى عظم شأنه وخطره .
هامش
( 1 ) المستدرك ، كتاب التفسير ، 2 / 282 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 371 | صديق الحسيني القنوجي البخاري