تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
قال في الكشاف : إن الجملة الأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه والثانية بيان لكونه مالكا لما يدبره ، والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه والجملة الرابعة بيان لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى ، والجملة الخامسة بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره انتهى . وبالجملة فهذه الآية قد اشتملت على أمهات المسائل الإلهية فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية متصف بالحياة الأزلية الأبدية ، واجب الوجود لذاته موجد لغيره ، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزّه عن التحيز والحلول ، مبرّأ عن التغير والفتور ، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوس والأرواح ، مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ، وذو البطش الشديد الذي لا يشفع أحد عنده كائنا من كان إلا من أذن له الرحمن ، عالم بالأشياء كلها جليها وخفيها كلّيها وجزئيها ، واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه ، لا يشق عليه شاق ولا يشغله شأن عن شأن ، متعال عن الخلق ، مباين عن العالم مستو على العرش ، عليّ الذات سمي الصفات كبير الشأن جليل القدر رفيع الذكر مطاع الأمر جلي البرهان عليّ عما يدركه القياس والظن والوهم عظيم لا يحيط به عالم الخلائق والفهم . ولذلك قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث فأخرج أحمد ومسلم واللفظ له عن أبي بن كعب أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سأله : أي آية من كتاب اللّه أعظم قال : آية الكرسي قال : « ليهنك العلم أبا المنذر » « 1 » . وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جاءهم في صفّة المهاجرين فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ »
الآية . وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا وخرج منه ، آية الكرسي » قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في هاتين الآيتين
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ،
و
ألم ، *
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
« إن فيهما اسم اللّه الأعظم » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 258 ، وأحمد في المسند 5 / 58 ، 142 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 64 ، وابن ماجة في الدعاء باب 9 ، والدارمي في فضائل القرآن باب 14 ، 15 ، وأحمد في المسند 6 / 461 .