قال الرازي في تفسيره : إن السنة ما يتقدم النوم ، فإذا كانت عبارة عن مقدمة النوم ، فإذا قيل لا تأخذه سنة دل على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى ، فكان ذكر النوم تكرارا ، قلنا تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم واللّه أعلم بمراده انتهى .
وأقول إن هذه الأولوية التي ذكرها غير مسلمة فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس ، وإذا ورد على القلب والعين دفعة واحدة فإنه يقال له نوم ، ولا يقال له سنة ، فلا يستلزم نفي السّنة نفي النوم . وقد ورد عن العرب نفيهما جميعا .
وأيضا فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم فقد يأخذه النوم ولا تأخذه السنة ، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم ، وهكذا لو وقع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة فكم من ذي سنة غير نائم .
وكرر حرف النفي لتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما فالسنة النوم الخفيف ، والنوم هو الثقيل المزيل للعقل والقوة ، والوسنان بين النائم واليقظان .
والجملة نفي للتشبيه بينه تعالى وبين خلقه واللّه منزّه عن النقص والآفات ، وإن ذلك تغير وهو مقدس عن التغير .
وعن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبا بخمس كلمات فقال : « إن اللّه عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام » « 1 » الحديث رواه مسلم .
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
يعني أنه تعالى مالك جميع ذلك بغير شريك ولا منازع وهو خالقهم ، وهم عبيده وخلقه ، وهم في ملكه ، وأجري الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ « ما » دون « من » وفيه رد على المشركين العابدين لبعض الكواكب التي في السماء ، والأصنام التي في الأرض يعني فلا تصلح أن تعبد لأنها مملوكة مخلوقة له ، واللام إما للقهر وإما للملك وإما للإيجاد .
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحدا من عباده يقدر على أن ينفع أحدا منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه . وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصك في وجوههم والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه .
والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء : 28 ] وقوله تعالى :
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الأيمان حديث 293 ، 295 ، وابن ماجة في المقدمة باب 13 ، وأحمد في المسند 4 / 395 ، 401 ، 405 .