شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى
[ النجم : 26 ] وقوله تعالى :
لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ
[ النبأ : 38 ] بدرجات كثيرة .
وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة ولمن هي ومن يقوم بها بالإذن .
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
الضميران لما في السماوات والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم ، وما بين أيديهم وما خلفهم عبارة عن المتقدم عليهم والمتأخر عنهم ، أو عن الدنيا والآخرة وما فيهما ، وقال مجاهد : ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة . وعن ابن عباس : ما قدّموا من أعمالهم وما أضاعوا من أعمالهم .
والمقصود أنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أحوال جميع خلقه .
حتى يعلم دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء ، وعلى الصخرة الصماء ، تحت الأرض الغبراء ، وحركة الذرة في جو السماء ، والطير في الهواء ، والسمك في الماء .
وفيه رد على من ينفي عنه سبحانه علم الجزئيات كالفلاسفة وهي أي صفة العلم له سبحانه إمام أئمة الصفات فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
قد تقدم معنى الإحاطة ، والعلم هنا بمعنى المعلوم أي لا يحيطون بشيء من معلومات
إِلَّا بِما شاءَ
أن يطلعهم عليه بأخبار الأنبياء والرسل ليكون دليلا على نبوتهم ؛ وليس ذلك إليهم بل إليه .
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
ويقال فلان يسع الشيء سعة إذا احتمله وأمكنه القيام به ، وأصل الكرسي في اللغة مأخوذ من تركب الشيء بعضه على بعض ، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض ، وفي العرف ما يجلس عليه ، والكرسي هنا الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك .
وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة . وأخطأوا في ذلك خطأ بينا وغلطوا غلطا فاحشا .
وقال بعض السلف : إن الكرسي هنا عبارة عن العلم قالوا : ومنه قيل للعلماء كراسي ، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم ، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري ، وفي القاموس الكرسي بالضم والكسر السرير والعلم . والجمع كراسي ، وقيل كرسيّه قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسيا أي ما يعمده ، وقيل إن الكرسي هو العرش وقيل هو تصوير لعظمته ولا حقيقة له .
وقال التفتازاني : إنه من باب إطلاق المركب الحسي المتوهم على المعنى العقلي المحقق ، وقال البيضاوي : لا كرسي في الحقيقة ولا قاعد وهو تمثيل مجرد ، وقيل هو عبارة عن الملك والسلطان مأخوذ من كرسي العالم والملك .